شؤون عربية ودولية

الكريبتو كاقتصاد.. ماذا قدّم للعالم؟ وماذا لو اختفى؟ : CNN الاقتصادية


في هذا المقال حاولنا في CNN الاقتصادية تسليط الضوء على العملات المشفرة كاقتصاد متكامل وليس كأصل للتداول أو عملة رقمية فقط، وقدمنا بعض الأمثلة على مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد، واستعرضنا تجارب دول في هذا المجال وقدمنا قصص نجاح وفشل، ثم سألنا خبراء العملات المشفرة في العالم سؤالاً مفاده: ماذا لو انهار نظام العملات المشفرة بالكامل أو “اختفى”؟ وهل بالإمكان أن يحدث ذلك؟ إليكم المقال:

في عام 2008، وبينما كان العالم يعيش واحدة من أعنف الأزمات المالية منذ الكساد الكبير، نشر شخص أو مجموعة أشخاص يستخدمون الاسم المستعار “ساتوشي ناكاموتو” ورقة بحثية من تسع صفحات فقط، اقترح فيها فكرة بدت أقرب إلى الخيال: نظام نقدي رقمي يسمح للناس بتحويل الأموال مباشرة فيما بينهم، دون الحاجة إلى بنك مركزي أو وسيط مالي أو حتى ثقة متبادلة بين طرفي المعاملة.

لم يكن خلف هذه العملة ذهب، ولا احتياطي نقدي، ولا حكومة تضمنها، كانت مجرد شيفرة برمجية، تقوم على مفهوم جديد آنذاك: الندرة الرقمية، فالذهب نادر لأن الطبيعة لا تنتج منه إلا كميات محدودة، أما البيتكوين فندرته جاءت من البرمجة نفسها، إذ تنص شيفرته على أنه لن يوجد أكثر من 21 مليون وحدة مهما ارتفع الطلب أو تغيرت الظروف الاقتصادية، وللمرة الأولى في التاريخ، اكتسب شيء غير ملموس قيمة اقتصادية هائلة، ليس لأنه مصنوع من مادة نادرة، بل لأن ملايين البشر وثقوا في قواعد رياضية لا يمكن تغييرها بسهولة.

بعد أقل من عقدين، أصبح هذا “اللاشيء” اقتصاداً تتجاوز قيمته السوقية عدة تريليونات من الدولارات، تتنافس عليه الحكومات، وتستثمر فيه أكبر المؤسسات المالية، ويعتمد عليه ملايين الأشخاص حول العالم في الادخار والتحويلات والمدفوعات، ولم تعد القصة قصة عملة رقمية، بل قصة اقتصاد موازٍ نما داخل الاقتصاد العالمي حتى أصبح جزءاً يصعب تجاهله أو اقتلاعه منه.

 من ورقة بحثية إلى اقتصاد عالمي

ما يميز اقتصاد الكريبتو أنه لم يكتفِ بخلق أصل مالي جديد، بل خلق حوله منظومة اقتصادية متكاملة، فقد ظهر التعدين كمهنة وصناعة قائمة بذاتها، تُقام لها مزارع ضخمة من الخوادم في دول تمتلك كهرباء منخفضة التكلفة، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة لتأمين شبكة البيتكوين والتحقق من معاملاتها.

وبالتوازي، نشأت شركات عملاقة متخصصة في تصنيع معالجات التعدين، ومنصات تداول عالمية تدير أحجام تداول يومية بمليارات الدولارات، وشركات لحفظ الأصول الرقمية (Custody)، إضافة إلى شركات متخصصة في الأمن السيبراني، وتحليل معاملات البلوكشين، والامتثال التنظيمي، والاستشارات القانونية والضريبية، وتطوير المحافظ الرقمية والعقود الذكية.

ولم يعد اقتصاد الكريبتو مرتبطاً بسعر البيتكوين وحده، بل أصبح شبكة واسعة من الصناعات والخدمات التي توظف مئات الآلاف من الأشخاص، وتجذب مليارات الدولارات من رؤوس الأموال والاستثمارات، وتنتج قيمة اقتصادية حقيقية مثل أي قطاع صناعي آخر.

وكما خلقت شبكة الإنترنت قبل ثلاثة عقود اقتصادات جديدة حول التجارة الإلكترونية والإعلانات الرقمية والحوسبة السحابية، يبدو أن البلوكشين يعيد إنتاج القصة نفسها، لكن هذه المرة في عالم المال.

 حين بدأت الحكومات تشتري ما لا تستطيع إصداره

المفارقة الأكثر إثارة أن الدول نفسها، التي تحتكر عادة إصدار العملات والتحكم في عرضها، بدأت تتبنى أصلاً مالياً لا تستطيع طباعته أو التحكم في كمية المعروض منه.

ففي مارس 2025، وقّعت الولايات المتحدة أمراً تنفيذياً بإنشاء احتياطي استراتيجي من البيتكوين، يعتمد أساساً على العملات المصادرة في القضايا الجنائية، ورغم عدم إعلان رقم رسمي، تشير معظم التقديرات إلى أن الحكومة الأمريكية تمتلك ما بين 200 ألف و330 ألف بيتكوين، ما يجعلها أكبر مالك حكومي للعملة في العالم.

أما السلفادور، فقد ذهبت خطوة أبعد عندما اعتمدت البيتكوين عملة قانونية منذ عام 2021، واستمرت في شرائها بصورة دورية حتى تجاوزت حيازتها 7500 بيتكوين، مع تأكيد رئيسها نجيب بوكيلي مراراً أن البلاد لا تنوي بيعها.

وفي جبال الهيمالايا، اختارت مملكة بوتان نموذجاً مختلفاً تماماً؛ فبدل شراء البيتكوين من الأسواق، استثمرت فائض الطاقة الكهرومائية لديها في تعدينه مباشرة، حتى أصبحت تمتلك ما يُقدّر بنحو 11 إلى 13 ألف بيتكوين، واستُخدمت بعض العوائد بالفعل في دعم الإنفاق الحكومي، بما في ذلك تمويل زيادات في رواتب موظفي القطاع العام.

إنها مفارقة تاريخية؛ فالدول التي كانت ترى في العملات المشفرة تهديداً لسيادتها النقدية، أصبحت تنظر إليها تدريجياً كأصل استراتيجي، يشبه الذهب أو النفط، وإن كان لا يشغل سوى مساحة على الأقراص الصلبة.

 اقتصاد يولّد اقتصادات أخرى

وربما تكمن خصوصية الكريبتو في أنه لم يخلق صناعة واحدة، بل فتح الباب أمام اقتصاد جديد بالكامل، فمع تطور تقنية البلوكشين، ظهرت تطبيقات التمويل اللامركزي (DeFi)، التي تسمح بالإقراض والاقتراض والتداول دون بنوك، ونمت العملات المستقرة (Stablecoins) التي أصبحت تُستخدم في التجارة الدولية والتحويلات العابرة للحدود، كما ظهرت أسواق ترميز الأصول (Tokenization)، التي تسعى إلى تحويل الأسهم والسندات والعقارات وحتى الأعمال الفنية إلى أصول رقمية قابلة للتداول.

وهذا يعني أن القيمة الاقتصادية لم تعد محصورة في العملات المشفرة نفسها، بل امتدت إلى البنية التحتية المالية التي نشأت حولها، وإلى شركات البرمجيات، ومراكز البيانات، ومقدمي خدمات الامتثال، وشركات تحليل البيانات، والحلول الأمنية، وحتى المؤسسات التعليمية التي أصبحت تدرّس هذا القطاع وتخرّج متخصصين للعمل فيه.

وبعبارة أخرى، أصبح للكريبتو سلسلة قيمة اقتصادية كاملة، تشبه ما حدث مع الإنترنت، حين لم يعد السؤال يدور حول قيمة الشبكة نفسها، بل حول الاقتصادات التي نشأت فوقها.

 من المضاربة إلى الاقتصاد الحقيقي

ورغم الصورة الذهنية التي تربط العملات المشفرة بالمضاربة وتقلبات الأسعار، فإن الاستخدام اليومي لها في بعض مناطق العالم أصبح يتجاوز الاستثمار بكثير.

في إفريقيا جنوب الصحراء، على سبيل المثال، أصبحت العملات المشفرة بالنسبة إلى ملايين الأشخاص وسيلة لتجاوز ضعف الأنظمة المصرفية، وارتفاع تكاليف التحويلات، وتقلب العملات المحلية.

وتشير بيانات Chainalysis إلى أن المنطقة استقبلت أكثر من 200 مليار دولار من قيمة المعاملات على البلوكشين خلال عام واحد، فيما تصدرت نيجيريا المشهد بوصفها واحدة من أكبر أسواق تبني العملات المشفرة عالمياً، مع معاملات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً.

وفي هذه الأسواق، لا يُنظر إلى العملات المشفرة باعتبارها أصلاً للمضاربة فقط، بل كوسيلة لتحويل الأموال بين الدول، أو الحفاظ على القوة الشرائية، أو تسهيل التجارة، أو الوصول إلى خدمات مالية لم تكن متاحة أصلاً.

وهنا تتحول الكريبتو من مجرد أداة استثمار إلى جزء من البنية التحتية للاقتصاد اليومي.

PPPSHN-101

 أكثر من عملة.. اقتصاد جديد

قد يختلف الاقتصاديون حتى اليوم حول القيمة العادلة للبيتكوين، وقد تستمر أسعار العملات المشفرة في تسجيل ارتفاعات وانخفاضات حادة، لكن ما أصبح من الصعب إنكاره هو أن الكريبتو لم يعد مجرد فئة أصول للمضاربة.

فمن فكرة كُتبت في تسع صفحات بواسطة شخص مجهول، نشأ اقتصاد عالمي يوظف مئات الآلاف، ويجذب استثمارات بمئات المليارات، ويدفع الحكومات إلى إعادة التفكير في مفهوم الاحتياطيات والسيادة النقدية، ويخلق صناعات جديدة لم تكن موجودة قبل خمسة عشر عاماً.

وربما تكون المفارقة الأجمل أن أعظم إنجاز للكريبتو لم يكن اختراع عملة جديدة، بل إثبات أن فكرة رقمية خالصة يمكنها، إذا اقترنت بالثقة والندرة والقبول، أن تخلق اقتصاداً حقيقياً ينافس اقتصادات نشأت عبر قرون.

فالتاريخ قد لا يتذكر البيتكوين لأنه غيّر شكل المال فقط، بل لأنه أثبت أن الاقتصاد نفسه يمكن أن يبدأ.. من شيفرة.

ماذا لو اختفت العملات المشفرة ونظامها بالكامل؟

سألنا هذا السؤال لعدد من المحللين المختصين بالعملات المشفرة وكتّاب الرأي الذين أسهموا بإغناء المكتبة العالمية في قطاع الكريبتو والعملات الرقمية. أدناه ملخص آرائهم:

قالت نويل أتشيسون، مؤلفة كتاب “الكريبتو هو الاقتصاد الكلي الآن لـCNN الاقتصادية، للإجابة على سؤال فيما إذا كان “اقتصاد الكريبتو” قد أصبح الآن جزءاً جوهرياً من النظام المالي، لا بد أولاً من تحديد ما نقصده بهذا المصطلح: فهل تُعد العملات المستقرة (stablecoins) عملات رقمية أصلاً؟ وأوضحت أنها لا تعتقد ذلك، إذ إنها في جوهرها تمثيلات للدولار على بنية تقنية البلوك تشين، وليست الشيء نفسه إطلاقاً، وأضافت أن الأمر ذاته ينطبق على الأصول الأخرى المرمّزة (tokenized assets)، وبالتالي فإن البنية المالية الجديدة الناشئة لن تتأثر بانهيار محتمل في سوق العملات الرقمية.

وأشارت إلى أن الاقتصاد العالمي لن يتأثر كثيراً هو الآخر؛ ففي حال استثنينا العملات المستقرة، فإن إجمالي القيمة السوقية للكريبتو يبلغ نحو 1.9 تريليون دولار، مقارنة بنحو 280 تريليون دولار لإجمالي أسواق رأس المال العالمية، وأوضحت أن كثيراً من المتداولين قد يخسرون أموالهم، لكن الاقتصاد ككل قادر على استيعاب هذه الخسائر بسهولة.

وقالت إنه من المفيد النظر إلى “العملات الرقمية” باعتبارها مجرد نوع واحد من بين أنواع عديدة من الأصول التي تعمل على بنية البلوك تشين، لافتة إلى أنها، عاجلاً أم آجلاً، لن تكون أكبر هذه المجموعات، وأوضحت أنه بما أنه لا يوجد خطر حقيقي من انهيار شبكات البلوك تشين نفسها، فإن انخفاض سعر أحد أنواع الأصول العديدة العاملة عليها لن يؤثر في التأثير الأوسع لهذه التقنية، باعتبارها تقنية نقل جديدة بحد ذاتها.

وأضافت أنه من المهم أيضاً الإقرار بأن العملات الرقمية الكبرى -البيتكوين والإيثيريوم- لن تختفي كلياً أبداً، لأنه لا يمكن حذفها، كما أن شبكات البلوك تشين الخاصة بها لا يمكن إيقافها، وأوضحت أنه ما دام هناك شخص واحد في أي مكان في العالم يرى قيمة في التقنية الكامنة وراءها، فإن البيتكوين والإيثيريوم ستحتفظان ببعض القيمة، وتساءلت: هل يمكننا تخيل عالم بلا عملات رقمية؟ وأجابت بأن ذلك أشبه بتخيّل أن السنوات الثماني عشرة الماضية لم تحدث، لكنها حدثت بالفعل، ولا أحد يستطيع محو سلاسل الكتل العامة مفتوحة المصدر -أو الأصول التي تعمل عليها- من الوجود.

وقال راشد الخزاعي مدير صندوق الأصول المشفرة TDR  لـCNN الاقتصادية إن الكريبتو ليس عضواً حيوياً في الاقتصاد العالمي، بل زائدة وظيفية متطورة، انهياره لن يسبب كساداً عالمياً، موضحاً أن حجم سوقه لا يتجاوز 3% من الأسهم الأميركية، فتأثيره المباشر يقتصر على خسائر للمضاربين وإفلاس شركات تعدين وفجوة مؤقتة في التحويلات.

 لكن الخزاعي أشار إلى حدوث صدمة لكنها فقط مؤقتة والأسواق ستستوعب الصدمة في 6-12 شهراً، والبنوك المركزية والعملات الرقمية البديلة جاهزة لملء الفراغ فوراً.

  من الناحية الاقتصادية يقول الخزاعي: يمكن تخيّل العالم بدون كريبتو بسهولة، فـ 99% من التجارة والرواتب لا تزال بالعملات السيادية، لكن لا يمكن تخيّله بالسياق التكنولوجي نفسه، لأن فكرة اللامركزية والعقود الذكية أصبحت جزءاً من الثقافة الرقمية لا رجعة فيها.

 ويلخص الخزاعي بقوله: “الأسعار قد تنهار وتُمتص خلال عام، لكن الفكرة الثورية ستظل، والعودة إلى ما قبل البلوكشين ممكنة لكنها غير مرغوبة”.

 أما تشارلز دو أوسي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة DYDX ومؤلف كتاب “Arabian Crypto”، فقال إنه لا مجال للتراجع عن نظام الكريبتو، موضحاً أن “عهد الكريبتو” قد بدأ بالفعل ولا يمكن محوه.

وأوضح أن الطريقة التي تنتقل بها العملات اليوم تفرض الحاجة إلى بنية تحتية جديدة، وأن العملات المستقرة (stablecoins) هي ما يوفر هذه البنية حالياً.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يتطلب بنية نقدية حديثة، وأن الكريبتو هو ما يقدّم هذه البنية، مشيراً إلى أن حتى أسواق الأسهم التقليدية انتقلت مؤخراً إلى التداول واكتشاف الأسعار على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

وختم بالقول إن هذا ليس مجرد نظام بيئي يمكن الاستغناء عنه، بل هو الأساس الذي يُعاد بناء كل شيء آخر عليه.





Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى