كي لا نغضّ الطرف وندفن الذاكرة… مهرجان عمّان يُفرد شاشاته لسينما الواقع العربي

في أزقّة العالم العربي الفسيح وخلف أبواب بيوته الموصدة، آلاف القصص التي لم يخترعها ذكاءٌ اصطناعيّ ولم تنشرها صفحات تواصل اجتماعي. من حسن الحظ أن ثمة أفلاماً وثائقية صارخة تأتي لتروي بعضها. هي تلك الأفلام تحديداً التي تُفرَد لها شاشات «مهرجان عمّان السينمائي» كي تقول الواقع الذي لم يُقَل، وتنفضَ من رمادها حكاياتٍ لا يجب أن تُطمَس.
معظم الأفلام الوثائقية التي يعرضها المهرجان في دورته السابعة، هي من النوع الذي يفضّل الجمهور عادةً غضّ الطرف عنه، لأنّ الواقع الذي فيها هو بمثابة صفعةٍ على خدّ كل عربيّ. من شهادات أهل غزّة بعيونهم الممتلئة موتاً، إلى حكايات نساءٍ عراقيات تمنّين لو لم يخرجن من أرحام أمهاتهنّ، وليس انتهاءً بمذكّرات معتقَلي سجن صيدنايا حيث الجدران ما زالت تصرخ ألماً.
“مَن لا يزال حياً”
على أرضٍ محايدة وتحديداً في قاعة معتمة في جنوب أفريقيا، يتنقّل غزّيون بين مربّعاتٍ بيضاء مرسومة فوق ما يشبه خشبة مسرح. كل مربّعٍ يرمز إلى بيتٍ هجروه غصباً، أو مكان عملٍ انسلخوا عنه، أو أرضٍ زرعوها فاستحالت خراباً. هنا غزّة المدينة، وهنا دار البلح، وهذه خان يونس…
أبطالُ المخرج السويسري نيكولا فاديموف في فيلمه الوثائقي «مَن لا يزال حياً»، هم مجموعة من بنات غزّة وأبنائها الذين استطاعوا الخروج منها عبر رفح قبل إغلاق الحدود مع مصر، بعد أيام أو شهور على اندلاع الحرب الإسرائيلية ضد القطاع الفلسطيني.
أمامهم رقعة سوداء كبيرة، يرسم كلٌ منهم عليها بالطبشور المكان الذي أتى منه ولا يعلم ما إذا كان سيعود إليه يوماً. هذا الذي أخذ مفتاح البيت غير عارفٍ ما إذا كان سيرجع فيجدَ قفلاً أم هواء. وذاك الذي يفتقد أشجاراً زرعها في بستانه. و«حنين» التي دفنت نصف عائلتها قبل أن توضّب حقيبةً صغيرة وتغادر رغماً عنها مع من تبقّوا.
يتّخذ الفيلم الوثائقي اتّجاهاً تصاعدياً. فبعد إيقاظ الذكريات المرتبطة بالأماكن والأغراض الشخصية وبحر غزّة، ينكأ في نصفه الثاني الجراح العميقة التي خلّفتها الحرب. يسرد كلٌ من الشهود التسعة يوميات القصف والقتل الممنهج كما عايشوها قبل رحيلهم.
«تنشّقنا الموت… كنا موتى بلا قبور»، تقول إيمان في وصف الأشهر الخمسة التي قضتها في غزة ما بين 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ومارس (آذار) 2024، تاريخ مغادرتها القطاع. وإيمان التي استقرّت وعائلتها في القاهرة، حضرت عرض الفيلم في عمّان مشاركةً شهادتها مع الحضور. هي التي انتصرت في معركتها ضد السرطان قبل سنوات، تقول إنّها ظنّت أنّ تلك كانت كبرى معاركها وصدماتها في الحياة إلى أن اندلعت حرب غزة.
يتحدّث الشهود، يُفرغون ما في ذاكرتهم البصريّة والعاطفية، وكأنّ في التوثيق بعضَ شفاء. لا حاجةَ إلى الصور هنا ولا إلى فيديوهات الغارات والدمار والأشلاء، رواياتهم تكفي. لا يقاطعهم المخرج، وبين غصّة ودمعة تخرج الحكايات كمثلِ حكاية «ملاك» التي سقط البيت عليها وعلى عائلتها فاستشهد شقيقاها ونجت هي لتشهد.

“الجانب الآخر من الشمس”
فيلمٌ وثائقيّ آخر يبدأ بمجسّمٍ لمكانٍ قاهر، هو «الجانب الآخر من الشمس» الحاصل على تمويل «البحر الأحمر السينمائي». مستعيناً بقطعٍ من الخشب الرقيق وبأغراض بلاستيكية صغيرة، يبني المخرج السوري توفيق صابوني مصغّراً عن سجن صيدنايا. هي قصة غير اعتيادية تلك التي يرويها صابوني وتُعرض للمرة الأولى في العالم العربي ضمن مهرجان عمّان السينمائي.
صابوني معتقلٌ سابق في السجن السوري الذي ترتعدُ لاسمه الذاكرة والأبدان. رُميَ فيه يافعاً عام 2011 بتهمة تصوير المظاهرات خلال الثورة السورية. هناك شهدَ على فظائعَ لا يعرف مَن هم خارج الأسوار عنها شيئاً: «كنت أحلم بأن يكون لديّ كاميرا لأصوّر ما لن تنساه ذاكرتي»، يقول صابوني في الفيلم.
يوم خرج من خلف القضبان، لم يدرك أنه سيعود إلى صيدنايا بعد أعوام قليلة مصطحباً كاميرته ليوثّق تراجيديا المكان حيث قيل له «رح نودّيك ورا الشمس» بعد كل جلسة ضرب وتعذيب. برفقة 4 من المعتقلين السابقين، يقتربون من المبنى الشبَح. بعضُهم يجهش باكياً لرؤية المكان، وآخر يتذكّر مبتلعاً دموعه: «هنا مات فلان»، «من خلف هذه القضبان كنت كلّما رأيتُ عصفوراً حسدتُه».
بين آلاف الأوراق التي هُجرت في مكاتب السجن، يبحثون عن حُكمِ إعدامٍ يحمل أسماءهم. يتنقّلون بين المهاجع والزنازين مستذكرين التعذيب، ومُعيدين تمثيل بعض مَشاهده. «بين جدران هذه الغرفة الضيّقة كانوا يكدّسوننا عراة». ثم يخبرون كيف كان السجّان، وإذا أراد أن يلقّنهم درساً في الرعب، يقتل أحد رفاقهم أمامهم. أو أنه يطحن عنق آخر حتى النفس الأخير لمجرّد أن يعلّمهم كيف يوضّبون جثّة ويُخرجونها من المكان. وأحياناً كانوا يتركون مريض السلّ عمداً بين رفاق الزنزانة كي ينقل المرض إليهم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أمامهم.
تنتمي هذه السينما إلى خانة المحتوى المُؤرق للعين والمؤذي للقلب، لكنها ضروريّة. هذا النوع من الأفلام التي تشرّح ذاكرة الواقع هي التوثيق التاريخي الذي تفتقده المناهج التربوية والمدارس العربيّة.

«فلانة»
من بين الأعمال الوثائقية الطويلة المتنافسة ضمن مهرجان عمّان السينمائي، فيلم «فلانة» الآتي من العراق والذاهب بمشاهديه إلى واقعٍ لا يعرف عنه سوى قلّة. توثّق المخرجة زهراء غندور لحكاياتٍ شخصيّة بطلاتُها نساءٌ عبرن في حياتها؛ من خالتها «الداية حياة» التي وُلد كل أطفال العائلة والقرية على يدَيها غير أنها لم تُنجب لنفسها ذرّيّة، مروراً بجارة الطفولة «نور» التي نُبذت منذ الولادة ممّن أنجبوها وممّن تبنّوها، وصولاً إلى «نتالي» التي طُردت طفلةً من بيت أبيها فافترستها الشوارع.
كما لو أنّ قدرَ شخصيات الفيلم، ومن خلالهنّ مئات النساء العراقيات، هو العيش على الهامش لمجرّد أنهنّ وُلدنَ إناثاً أو لأنّهنّ لم يتزوّجن.
«أين اختفت نور؟»، هو السؤال الذي تهجس به المخرجة والذي يأخذها في رحلة بحثٍ مظلّلة بالتساؤلات حول مصير رفيقة الطفولة. يبدأ المسار في بيت الخالة حياة حيث وُضعت نور رضيعةً بعد أن نبذها أبوها الذي ضاق ذرعاً من إنجاب زوجته للفتيات. ومن هناك إلى بيت عائلةٍ تبنّتها ثم رمتها من جديد بعد أن بلغت العاشرة من العمر. أما المحطة الثالثة ففي «ملجأ البنات المشرّدات» حيث تقبع عشرات الفتيات غير المرغوب بهنّ من آبائهنّ وعائلاتهنّ. ومعظمهنّ لا يجدن طريقاً بعد الخروج من الملجأ، سوى الملاهي الليليّة المشبوهة حيث تلتقي المخرجة بشخصيّتها الثالثة في الوثائقي «نتالي»، صاحبة الاسم المستعار ولون الشعر المستعار والحياة المستعارة.
وكأنّ حبل سرّة واحد يربط ما بين تلك النساء اللواتي رماهنّ المجتمع الذكوريّ جانباً، فتحوّلن إلى ضحايا الاستغلال، مجرّداتٍ من هويّةٍ وعائلةٍ وحبّ. أما الأخطر من ذلك كلّه فهو دخولهنّ دوّامة النسيان، وانتهاؤهنّ تحت تراب ما يُعرف بـ«مقابر المنبوذات» المنتشرة في عدد من بلدات جنوبي العراق.

عن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة يتنافس ضمن مهرجان عمّان كذلك «ضد السينما» من المملكة العربية السعودية، و«عصافير الحرب» من سوريا، و«دو يو لاف مي» من لبنان، و«حبيبي حسين» من فلسطين، و«بابا والقذّافي» من ليبيا.




