بعد إجلاء ترمب سراً من تركيا… الكشف عن تفاصيل عملية مماثلة في عهد كلينتون


كشفت سوزان بيج، رئيسة مكتب صحيفة «يو إس إيه توداي» في واشنطن حالياً، للمرة الأولى تفاصيل عملية سرية نفذتها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون قبل أكثر من 26 عاماً لتأمين سفره إلى باكستان، وذلك بالتزامن مع نشر التقارير التي كشفت عن أن مسؤولين كباراً في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قاموا بتنفيذ خطة خداع استثنائية لإخراجه من أنقرة بأمان، خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الشهر الماضي، بسبب تهديدات محتملة باستهدافه من إيران.
وحسب صحيفة «واشنطن بوست»، تعود الواقعة إلى مارس (آذار) 2000، عندما كان كلينتون في طريقه من الهند إلى باكستان. وقبل الرحلة، استدعى مسؤولون في البيت الأبيض سوزان بيج، التي كانت آنذاك رئيسة رابطة مراسلي البيت الأبيض، إلى اجتماع سري عُقد خارج إطار النشر، وأطلعوها على الإجراءات الأمنية الاستثنائية التي ستُتخذ لحماية الرئيس والصحافيين. وشملت هذه الإجراءات سفر كلينتون على متن طائرة من طراز تستخدمه عادةً طائرات رجال الأعمال، من دون علامات مميزة، للوصول إلى باكستان، فيما ستُستخدم الطائرة الرئاسية الرسمية طُعماً لتضليل أي جهة قد تسعى إلى استهداف الرئيس.
وقالت سوزان بيج: «أخبروني بالإجراءات الأمنية الاستثنائية التي يجري اتخاذها بسبب المخاطر المرتبطة بالطيران إلى هناك، بما في ذلك استخدام الطائرة الخداعية. وبالطبع، كانت المخاطر تُهدد الصحافيين الذين يغطون الرحلة، وكذلك الرئيس كلينتون».
وعند وصول الطائرة إلى إسلام آباد ظهرت الخدعة بوضوح، إذ هبطت أولاً الطائرة الرئاسية «إير فورس ون» أمام وسائل الإعلام، وخرج منها أحد أفراد الخدمة السرية الذي يُشبه الرئيس، قبل أن تهبط طائرة أخرى من دون علامات ويترجل منها كلينتون الحقيقي.
وبعد أكثر من ربع قرن، واجه البيت الأبيض موقفاً مشابهاً مع ترمب خلال قمة «الناتو» الشهر الماضي، لكن بطريقة مختلفة تماماً، فقد ظهر الرئيس أمام الكاميرات وهو يستقل الطائرة الرئاسية القديمة، بدلاً من الطائرة الجديدة التي أهدتها له قطر، وهي من طراز «بوينغ 747- 8»، والتي كان قد وصل إلى تركيا على متنها. وقال ترمب للصحافيين يومذاك، إن هذا التغيير حصل «من باب الحنين إلى الماضي»، في حين جرى نقله سرّاً من المطار عبر شاحنة لنقل الطعام، قبل أن يستقل طائرة عسكرية ويغادر تركيا، وذلك على خلفية تهديد إيراني موثوق.
وخلال العملية، طُلب من الصحافيين الموجودين على متن الطائرة إبقاء ستائر النوافذ مغلقة، من دون إبلاغهم بأن الرئيس غادر الطائرة.
ويرى الصحافي والمؤرخ غاريت غراف أن ما حدث يُمثل سابقة خطيرة في العلاقة بين البيت الأبيض والصحافة، قائلاً: «أن يكذب البيت الأبيض على جميع أفراد الصحافة بشأن مكان وجود الرئيس، فهذا حدٌّ جديد يجري تجاوزه».
وأضاف غراف أن الأمر لا يتعلق فقط بحق الصحافيين في معرفة تحركات الرئيس، موضحاً أن طبيعة التهديد الذي دفع إلى تنفيذ العملية غير معروفة، ومن ثم يصعب تحديد حجم المخاطر التي تعرض لها الصحافيون. لكنه رجح أنهم كانوا معرضين للخطر نفسه الذي استدعى الإجراءات الأمنية الاستثنائية، وقال: «معرفة أن هذه كانت سلسلة من الإجراءات التي اتخذها البيت الأبيض والجيش تحديداً بسبب تهديد كانوا يشعرون بقلق عميق حياله، يجعل إبقاء الصحافة خارج دائرة المعلومات أكثر فداحة».
كما حذّرت باربرا ستار، مراسلة شبكة «سي إن إن» السابقة لشؤون البنتاغون، من تداعيات الواقعة على الثقة بين الصحافيين والبيت الأبيض، قائلة: «سيكون هناك الآن مستوى من انعدام الثقة لم نشهده من قبل… كانت حياتهم معرضة للخطر بشكل محتمل من دون أن يعرفوا ذلك، ومن دون أن تتاح لهم فرصة اختيار طريقة مختلفة للعودة إلى بلادهم».
وتعليقاً على هذا الجدل الذي أثير بشأن تعريض مساعدي ترمب والصحافيين المسافرين معه للخطر على متن الطائرة التي كان يفترض أنها تقل الرئيس، قال ترمب للصحافيين (الثلاثاء): «أعتقد في الواقع أن الطائرة التي استقللتها كانت معرضة لخطر أكبر… لأنها الطائرة التي أعتقد أنهم كانوا سيستهدفونها على الأرجح».
من جهتها، قالت سوزان بيج، التي التزمت الصمت طوال أكثر من 26 عاماً: «لم أتحدث عن هذه الواقعة من قبل بسبب قواعد عدم الإفصاح التي كانت تحكم ذلك النقاش. لكن بعد مرور أكثر من ربع قرن، وبما أن الخدعة أصبحت واضحة بمجرد نزول الرئيس كلينتون من الطائرة في باكستان، أعتقد أنه من المقبول أن أنقلها الآن».
وتعكس المقارنة بين واقعة كلينتون عام 2000 وعملية ترمب الأخيرة تحولاً لافتاً في طريقة تعامل البيت الأبيض مع الصحافة خلال العمليات الأمنية الحساسة، وتثير تساؤلات حول التوازن بين حماية الرئيس وحق الصحافيين في معرفة المخاطر التي قد يتعرضون لها أثناء أداء عملهم.




