هل قلّة الحركة تهدد صحة البروستاتا؟


قد لا تكون البروستاتا من الأعضاء التي تحظى باهتمام كبير في الحياة اليومية، لكن صحة هذه الغدة الصغيرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة الرجل، ولا سيما مع التقدم في العمر. ومع أن أمراض البروستاتا قد تختلف في طبيعتها وأسبابها، فإن بعض العوامل المرتبطة بنمط الحياة، وفي مقدمتها النشاط البدني، قد تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على صحتها والحد من بعض المشكلات التي قد تصيبها.
فهل يمكن أن يؤدي نقص النشاط البدني إلى التأثير سلباً في صحة البروستاتا؟ وهل يمكن لممارسة الرياضة بانتظام أن تساعد على الوقاية من بعض أمراضها أو تخفيف أعراضها؟ الإجابة البسيطة هي: نعم.
البروستاتا… غدة صغيرة ومشكلات صحية متعددة
البروستاتا غدة صغيرة يبلغ حجمها حجم حبة الجوز تقريباً، وتقع في أسفل البطن، بالقرب من الجزء العلوي من مجرى البول. وعلى الرغم من صغر حجمها، فإنها تؤدي دوراً مهماً في الجهاز التناسلي لدى الرجل، ويمكن أن تصبح مصدراً لمجموعة من المشكلات الصحية، خصوصاً مع التقدم في السن.
ويُعدّ الحفاظ على صحة البروستاتا أمراً أساسياً للحد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بها، وللمساعدة على الحفاظ على صحة الجهاز البولي بصورة عامة. ومن أبرز الحالات التي قد تصيب الرجال التهاب البروستاتا، وتضخم البروستاتا الحميد، وسرطان البروستاتا.
وقد تكون هذه الغدة الصغيرة مصدراً للإزعاج أو الألم؛ فهي معرضة للالتهاب الذي قد يكون مؤلماً، كما يمكن أن تتضخم إلى درجة تؤدي إلى إعاقة تدفق البول والتسبب في مشكلات خلال التبول، فضلاً عن احتمال الإصابة بسرطان البروستاتا.
ومن هنا تبرز أهمية الوقاية وتبنّي نمط حياة صحي. وتُعدّ ممارسة الرياضة والنشاط البدني المنتظمين من العوامل التي قد تساعد على الحفاظ على صحة البروستاتا، كما أظهر بعض الدراسات أن ممارسة الرياضة يمكن أن تكون مفيدة في التعامل مع عدد من الحالات المرتبطة بهذه الغدة.
وعلى الرغم من أن عدد الدراسات التي بحثت بصورة مباشرة في تأثير ممارسة الرياضة في صحة البروستاتا لا يزال محدوداً، فإن الأدلة المتاحة تشير إلى أن النشاط البدني المنتظم قد يكون مفيداً لهذه الغدة التي لا يتجاوز حجمها حجم حبة الجوز.
النشاط البدني قد يقلل خطر تضخم البروستاتا الحميد
من المشكلات الشائعة التي قد تصيب البروستاتا، خصوصاً مع التقدم في العمر، تضخم البروستاتا الحميد. وعلى الرغم من أن هذا التضخم غير سرطاني، فإنه قد يؤدي إلى الضغط على مجرى البول، وبالتالي التسبب في أعراض بولية مزعجة.
وفي دراسة متابعة طويلة الأمد للعاملين في مجال الرعاية الصحية، أُجريت في جامعة هارفارد، كان الرجال الأكثر نشاطاً بدنياً أقل عرضة للإصابة بتضخم البروستاتا الحميد مقارنةً بالرجال الأقل نشاطاً.
واللافت أن الفوائد لم تكن مرتبطة بالضرورة بممارسة تمارين شديدة أو مرهقة؛ فقد أظهرت الدراسة أنه حتى النشاط البدني منخفض إلى متوسط الشدة، مثل المشي بانتظام وبوتيرة معتدلة، يمكن أن يكون له أثر إيجابي.
وهذا يعني أن الاستفادة من النشاط البدني لا تتطلب بالضرورة ممارسة رياضات قاسية أو قضاء ساعات طويلة في صالات الرياضة، بل إن إدخال الحركة المنتظمة إلى الحياة اليومية قد يكون خطوة مفيدة في الحفاظ على صحة البروستاتا.
الرياضة قد تساعد على تخفيف أعراض التهاب البروستاتا
ولا تقتصر الفوائد المحتملة للنشاط البدني على الوقاية من تضخم البروستاتا الحميد، إذ تشير نتائج إحدى الدراسات إلى أن ممارسة الرياضة قد تساعد أيضاً الرجال الذين يعانون من التهاب البروستاتا المزمن.
فقد أجرى باحثون إيطاليون تجربة عشوائية مضبوطة، وهي من أنواع الدراسات التي تُعدّ المعيار الذهبي في البحث الطبي، وشملت رجالاً مصابين بالتهاب البروستاتا المزمن.
وقُسّم المشاركون إلى مجموعتين. مارست المجموعة الأولى تمارين هوائية تمثلت في المشي السريع ثلاث مرات أسبوعياً، بينما مارست مجموعة المقارنة تمارين غير هوائية، شملت رفع الساقين وتمارين البطن وتمارين التمدد، ثلاث مرات أسبوعياً أيضاً.
وبعد مرور 18 أسبوعاً، أظهرت النتائج أن الرجال في كلتا المجموعتين شعروا بتحسن في حالتهم. إلا أن التحسن كان أكثر وضوحاً لدى الرجال الذين مارسوا التمارين الهوائية؛ إذ أبلغوا عن انخفاض أكبر في آلام البروستاتا، إلى جانب انخفاض مستويات القلق والاكتئاب وتحسن نوعية الحياة.
وتشير هذه النتائج إلى أن النشاط البدني قد لا يكون مفيداً للصحة الجسدية فحسب، بل قد ينعكس أيضاً بصورة إيجابية على الحالة النفسية ونوعية الحياة لدى الرجال الذين يعانون من مشكلات مزمنة مرتبطة بالبروستاتا.
الوزن والنشاط البدني… عاملان يستحقان الاهتمام
إلى جانب أهمية النشاط البدني في حد ذاته، يرتبط مستوى الحركة أيضاً بالحفاظ على وزن صحي. وهذه نقطة مهمة عند الحديث عن صحة البروستاتا، إذ قد يكون الأشخاص الذين يعانون من السمنة أكثر عرضة للإصابة بسرطان البروستاتا.
وتُعرّف السمنة بأنها وصول مؤشر كتلة الجسم إلى 30 أو أكثر. لذلك، إذا كنت تعاني من زيادة الوزن، فإن العمل على خفضه قد يكون جزءاً من استراتيجية شاملة لتحسين صحتك العامة والحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال تقليل عدد السعرات الحرارية التي يتم تناولها يومياً، إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام، وفقاً لموقع «مايو كلينيك».
ولا ينبغي النظر إلى الرياضة هنا بوصفها وسيلة منفصلة عن بقية العادات الصحية، بل بوصفها جزءاً من نمط حياة متكامل يشمل التغذية المتوازنة والحفاظ على وزن صحي والحرص على الحركة بصورة منتظمة.
اجعل النشاط البدني جزءاً من روتينك الأسبوعي
تشير معظم الدراسات التي بحثت العلاقة بين ممارسة الرياضة وخطر الإصابة بسرطان البروستاتا إلى أن الرجال الذين يمارسون النشاط البدني قد يكونون أقل عرضة للإصابة بسرطان البروستاتا مقارنةً بأولئك الذين لا يمارسون الرياضة.
ومع ذلك، فإن أهمية النشاط البدني لا تقتصر على البروستاتا وحدها. فالرياضة تقدم فوائد صحية واسعة، وقد تساعد على تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب وأنواع أخرى من السرطان، فضلاً عن دورها في الحفاظ على وزن صحي أو المساعدة على إنقاص الوزن لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى ذلك.
لذلك، فإن اعتماد نمط حياة أكثر نشاطاً يمكن أن يوفر فوائد تتجاوز صحة البروستاتا، ويسهم في تحسين الصحة العامة والحفاظ عليها على المدى الطويل.
إذا لم تكن تمارس الرياضة بالفعل، فمن الأفضل ألا تبدأ بصورة مفاجئة أو بمستويات عالية من الجهد. ويمكنك أولاً تحديد موعد مع طبيبك للتأكد من أن ممارسة النشاط البدني مناسبة لحالتك الصحية، لا سيما إذا كنت تعاني من مشكلات صحية أخرى أو كنت غير معتاد على ممارسة الرياضة.
وعند البدء، اجعل التدرج هو الأساس. فلا حاجة إلى تغيير نمط حياتك بالكامل في يوم واحد، بل يمكنك البدء بخطوات بسيطة تساعدك على زيادة مستوى نشاطك تدريجياً.
ومن الطرق العملية لإضافة المزيد من الحركة إلى يومك:
– إيقاف السيارة بعيداً قليلاً عن وجهتك، بحيث تضطر إلى المشي لمسافة أطول.
– استخدام الدرج بدلاً من المصعد متى كان ذلك مناسباً.
– إدخال المشي المنتظم في روتينك اليومي.
– البحث عن فرص إضافية للحركة خلال ساعات العمل أو في المنزل.
ومع مرور الوقت، يمكن زيادة مدة النشاط وشدته تدريجياً بما يتناسب مع قدراتك وحالتك الصحية.




