أكاديمية جديدة لتأهيل وتوظيف 20 ألف سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات بحلول 2034

لم يعد السؤال الأساسي أمام المؤسسات عند التعرض لهجوم سيبراني هو ما إذا كانت تمتلك نسخة احتياطية من بياناتها، بل مدى قدرتها على استعادة التطبيقات والهويات والخدمات الأساسية خلال فترة قصيرة، والتأكد في الوقت نفسه من أن البيانات التي تعيد تشغيلها نظيفة وغير مصابة.
هذا التحول يشكل محوراً رئيسياً في استراتيجية شركة «كومفولت» مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في السعودية والمنطقة، حسب فادي رِشماني، نائب الرئيس للأسواق الناشئة في الشركة، والدكتور مازن عبد الجبار، المدير العام لـ«كومفولت» في المملكة العربية السعودية.
وقال رِشماني في حديث إلى «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» في الرياض إن المؤسسات أصبحت تتعامل مع بيئة أكثر تعقيداً نتيجة النمو السريع للذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع ظهور آلاف الوكلاء البرمجيين الذين يمتلكون هويات وصلاحيات، ويمكنهم الوصول إلى البيانات والأنظمة. وفي المقابل، يشير عبد الجبار إلى أن توسع البنية السحابية والذكاء الاصطناعي داخل المملكة يرفع الحاجة إلى بناء خطط التعافي منذ بداية تصميم الأنظمة، وليس بعد وقوع الهجوم.
من النسخ الاحتياطي إلى «عمليات المرونة»
تقول «كومفولت» إنها أعادت خلال السنوات الأخيرة صياغة نهجها من حماية البيانات التقليدية إلى ما تسميه «عمليات المرونة» أو (ResOps) وهو نموذج يقوم على التعامل مع الحماية والتعافي كعملية مستمرة تبدأ من اكتشاف البيانات وتصنيفها ومراقبة التغيرات غير الطبيعية، وتنتهي بالقدرة على استعادة نسخة سليمة وتشغيل الأعمال من جديد.
وأوضح رِشماني أن الشركة أضافت إلى منصتها الموحدة جوانب تتعلق بمرونة الهوية وأمن البيانات إلى جانب التعافي السيبراني، مشيراً إلى أن الهدف هو التعامل مع دورة الحادث بأكملها بدلاً من النظر إلى النسخ الاحتياطي كعملية منفصلة. وقال: «الأمر لا يتعلق فقط باستعادة البيانات، بل باستعادة نسخة نظيفة منها حتى تتمكن من إعادة تشغيل أعمالك».
ويرى أن هذا الفرق أصبح أكثر أهمية مع هجمات الفدية، لأن المؤسسة قد تمتلك نسخة احتياطية، لكنها لن تستفيد منها إذا لم تكن متأكدة من خلوها من التهديد، أو إذا لم تكن لديها بيئة جاهزة وآمنة لإعادة تشغيل التطبيقات.

الذكاء الاصطناعي يوسع مساحة الهجوم
بالنسبة إلى رِشماني، يقدم الذكاء الاصطناعي للمؤسسات مكاسب كبيرة في الإنتاجية والكفاءة، لكنه في الوقت نفسه يضيف طبقة جديدة من المخاطر. فالمؤسسات لم تعد مطالبة بحماية هويات الموظفين فقط، بل قد تضطر إلى إدارة أعداد كبيرة من هويات وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يتصلون بالأنظمة ويستخدمون البيانات ويتخذون إجراءات بصورة شبه مستقلة. وذكر أن عدد الوكلاء يمكن أن يصبح «ضعفين أو ثلاثة أو خمسة أضعاف» عدد الموظفين في بعض البيئات، ما يغير حجم المشكلة الأمنية مقارنة بالنماذج التقليدية لإدارة الهوية. وأضاف: «الذكاء الاصطناعي يزيد مساحة الهجوم. إنه يجعل العملاء أكثر قدرة وإنتاجية، لكنه يجلب أيضاً مزيداً من التعرض للمخاطر».
واستشهد رِشماني بدراسة عالمية قال إنها أظهرت أن 76 في المائة من المؤسسات غير واثقة من قدرتها على تحمل هجوم مدعوم بالذكاء الاصطناعي، عادّاً أن المعادلة الجديدة تتطلب «استخدام الذكاء الاصطناعي لمواجهة الذكاء الاصطناعي». وبالنسبة له، لا يتعلق الأمر بحماية البيانات التي تستخدمها النماذج فقط، بل كذلك بحماية الأوامر التي تتلقاها هذه الأنظمة، والصلاحيات الممنوحة لها، وطرق وصولها إلى التطبيقات والبيانات الحساسة.
الهوية تتحول إلى جزء من التعافي
مع توسع استخدام الهويات الرقمية، يرى رِشماني أن تعافي الهوية يجب أن يصبح جزءاً أساسياً من خطة المرونة السيبرانية وليس وظيفة منفصلة عن استعادة البيانات.
وأشار إلى حالات اختراق تبدأ من بيئات إدارة الهوية مثل «Active Directory»، حيث يمكن للمهاجم الحصول على صلاحيات إدارية واسعة، ثم الانتقال إلى حذف البيانات أو تعطيل الأنظمة.
المشكلة، وفقاً له، لا تنتهي بإعادة البيانات من النسخ الاحتياطية. فإذا كانت البنية المسؤولة عن الهوية والصلاحيات لا تزال معطلة، فإن المؤسسة قد لا تتمكن من إعادة تشغيل خدماتها بصورة طبيعية.
وقال إن استعادة بيئات «Active Directory» بالطرق التقليدية قد تستغرق فترة طويلة في بعض الحالات، ولذلك تحتاج المؤسسات إلى أدوات أكثر أتمتة تسمح باستعادة الهيكل الكامل للهوية والصلاحيات بطريقة أسرع. ومن هنا، يعد أن السرعة والبساطة والقدرة على استعادة أنظمة متعددة من مكان واحد أصبحت عناصر أساسية في تقييم جاهزية المؤسسة للتعامل مع الهجوم.

شراكة جديدة مع «سلام»
على المستوى السعودي، كشف عبد الجبار عن شراكة أُعلنت خلال «ليب 2026» بين «كومفولت» وشركة «سلام»، تشمل تقنيات حماية البيانات والمرونة السيبرانية. وعدّ أن التعاون بين الجانبين بدأ منذ المراحل المبكرة لأعمال «سلام»، وأن «كومفولت» ستوفر تقنيات مرتبطة بحماية البيانات والتعافي، فيما تعمل الشركتان كذلك على تطوير عروض موجهة إلى قطاع الأعمال.
وتابع أن «كومفولت» وسعت وجودها خلال نسخة هذا العام من «ليب» من خلال المشاركة مع شركائها وتحالفاتها في ثلاثة أجنحة داخل المعرض، في إشارة إلى توسع شبكة الشراكات التي تعتمد عليها الشركة للوصول إلى المؤسسات.
السحابة السعودية ترفع متطلبات التعافي
يتوقع عبد الجبار أن تزداد أهمية التعافي مع انتقال مزيد من التطبيقات والبيانات إلى البيئات السحابية المحلية. وأشار إلى التعاون بين «كومفولت» و«مايكروسوفت»، قائلاً إن تقنيات الشركة تستهدف دعم العملاء في البيئات الهجينة، وربط قدرات التعافي بصورة أعمق مع «أزور». ويرى أن المؤسسات السعودية تحتاج إلى التفكير في التعافي كجزء من تصميم بيئة السحابة منذ البداية، خصوصاً مع انتقال تطبيقات أكثر حساسية إلى البنية المحلية وارتفاع اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي. وأفاد بأن زيادة التعقيد تعني أن الشركات «تحتاج إلى الاستعداد واختيار التكنولوجيا التي تساعدها على تنفيذ التعافي في الوقت المناسب». وأضاف أن «كومفولت» تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها منذ سنوات طويلة، وليس فقط بعد موجة الاهتمام الأخيرة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مشيراً إلى دمجها في جوانب متعددة من حماية البيانات ورصد التهديدات والتعافي.
التنظيمات تتغير مع اتساع المخاطر
يربط عبد الجبار توسّع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي داخل السعودية بالحاجة إلى تحديث مستمر للضوابط التنظيمية المرتبطة بالأمن السيبراني. وقال إن قطاعات الحكومة والجهات شبه الحكومية والبنوك والتأمين والشركات الحيوية تخضع لمتطلبات الأمن السيبراني الوطنية، لافتاً إلى أن الجهات التنظيمية السعودية تراجع هذه الضوابط بصورة مستمرة مع تغير طبيعة المخاطر.
ولفت أن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المملكة خلال السنوات الأخيرة بلغت، وفق تقديره، نحو 15 مليار دولار، ما يضع ضغوطاً إضافية على المؤسسات لتطوير بنيتها التقنية والأمنية بالتوازي.
ويعد أن قطاعات الحكومة والبنوك والتأمين والشركات الكبرى ستكون من أبرز المجالات التي يرتفع فيها الطلب على حلول المرونة السيبرانية خلال السنوات المقبلة، إلى جانب القطاعات الصناعية.

لماذا لا يكفي منع الاختراق؟
يكرر رِشماني فكرة أساسية مفادها أن المؤسسة لا تستطيع بناء استراتيجيتها على افتراض أنها لن تتعرض للاختراق. فالاستثمارات الكبيرة في أدوات الأمن لا تضمن عدم وقوع الحادث، ولذلك يصبح السؤال الأهم بالنسبة له هو: ماذا يحدث بعد نجاح المهاجم في الدخول؟ يقول إن أحد الأخطاء المتكررة يتمثل في امتلاك فرق الأمن وتقنية المعلومات وإدارة الهوية أدواتها وإجراءاتها الخاصة، لكن من دون تنسيق كافٍ بينها قبل وقوع الهجوم.
وعندما يبدأ الحادث، تحاول هذه الفِرق تحديد مسؤولياتها وخطواتها تحت ضغط الوقت، وهي المرحلة التي يرى أنها تأتي متأخرة. ولشرح ذلك، تستخدم «كومفولت» تمريناً يحاكي هجوماً على شركة طيران تتوقف فيه الأنظمة، وتتأثر الرحلات ويبقى الركاب في المطارات، ثم يُطلب من فريق قيادي يضم الرئيس التنفيذي ومسؤولي التقنية والأمن والشؤون القانونية اتخاذ القرارات في الوقت الفعلي.
ويقول رِشماني إن الهدف ليس الحديث عن منتجات الشركة، بل اختبار ما إذا كانت الإدارة تعرف مسبقاً ما الذي يجب فعله عندما تصبح الأنظمة غير متاحة. وأضاف: «الجميع قد يتعرض للاختراق. السؤال هو لماذا لم تكن مستعداً للتعافي في الوقت المناسب؟».
نسخة نظيفة وبيئة معزولة
خطة التعافي الفعلية برأي رِشماني تحتاج إلى عناصر تتجاوز عملية تخزين نسخة احتياطية. ويشمل ذلك وجود نسخة غير قابلة للتغيير من البيانات، إلى جانب بيئة معزولة يمكن فيها اختبار البيانات، والتأكد من سلامتها قبل إعادتها إلى الأنظمة الإنتاجية.
كما تحتاج المؤسسة إلى اختبار السيناريو بصورة دورية، بحيث تعرف الفرق مكان البيانات، وطريقة استعادتها، وأولوية التطبيقات التي يجب تشغيلها أولاً، والجهات التي تملك سلطة اتخاذ القرار أثناء الحادث.
وشبّه رِشماني الأمر بخطة الإخلاء عند اندلاع حريق، إذ لا يكفي أن يعرف الشخص نظرياً مكان المخرج؛ بل يجب أن يكون قد تدرب على المسار والإجراء قبل وقوع الأزمة. وعد أن المشكلة لدى كثير من المؤسسات ليست نقص الميزانيات أو المهندسين، بل عدم اختبار خطوات التعافي بشكل كافٍ قبل الحاجة إليها.

اقتصاد للجريمة السيبرانية
وضع رِشماني حجم المشكلة في سياق اقتصادي أوسع، مستشهداً بتقديرات تضع التكلفة السنوية العالمية للجريمة السيبرانية وهجمات الفدية عند نحو 10.5 تريليون دولار. وقال إن هذا الرقم، إذا عومل كاقتصاد مستقل، سيجعله من بين أكبر اقتصادات العالم، وهو ما يعكس تحول الجريمة الإلكترونية إلى نشاط منظم يمكن تنفيذه عن بعد ضد مؤسسات في قطاعات متعددة. ويعتقد أن تسارع الذكاء الاصطناعي سيزيد من قدرة المهاجمين على تطوير الهجمات وتنفيذها بسرعة أكبر، ما يعني أن الوقت المتاح أمام فرق الأمن والاستجابة سيكون أقصر.
لا يرى مسؤولا «كومفولت» أن امتلاك أدوات الحماية وحده يكفي للقول إن المؤسسة تتمتع بمرونة سيبرانية. ويقول عبد الجبار إن التقييم يجب أن يشمل أسئلة عملية: هل توجد نسخة معزولة من البيانات؟ هل تستطيع المؤسسة فحصها؟ هل تمتلك بيئة نظيفة للاستعادة؟ هل اختبرت عملية التعافي؟ وكيف تنتقل البيانات بين المنصات؟
ولفت أن الشركة توفر أداة تقييم أولية يمكن للمؤسسات استخدامها لمعرفة مستوى جاهزيتها، وتحديد الفجوات التي تحتاج إلى معالجة. أما بالنسبة إلى رِشماني، المعيار النهائي ليس عدد المنتجات الأمنية التي تملكها المؤسسة، وإنما «مدى السرعة التي تستطيع بها العودة إلى الحياة» على حد قوله.




