فن

الذكاء الاصطناعي يتغير… والوكلاء قد يصنعون «مجتمعات اصطناعية»



لم يعد مستقبل الذكاء الاصطناعي مرتبطاً فقط بتطوير آلات أكثر ذكاءً؛ بل قد ينتقل إلى مرحلة جديدة تعمل فيها ملايين الأنظمة المستقلة معاً، وتتعاون وتتنافس وتتفاوض نيابة عن البشر. وقد يؤدي هذا التطور إلى ظهور ما يمكن وصفه بـ«المجتمعات الاصطناعية»، بحسب تقرير لموقع «ذا كونفرسايشن».

وأوضح التقرير أنه فبدلاً من أن يقتصر الذكاء الاصطناعي على أنظمة المحادثة مثل «تشات جي بي تي» و«كوبيلوت»، تتجه التكنولوجيا نحو ما يعرف بـ«الوكلاء» القادرين على مراقبة العالم من حولهم، واتخاذ القرارات وتنفيذ المهام على مدى فترات طويلة؛ من حجز الرحلات إلى إدارة سلاسل التوريد والشؤون المالية.

ملايين الوكلاء قد يتفاعلون معاً

يعمل «وكيل» الذكاء الاصطناعي على إدراك ما يحدث، واتخاذ قرار ثم تنفيذ إجراء. ومع انتشار هذه الأنظمة، يمكن أن يبدأ وكلاء مختلفون بالعمل نيابة عن أفراد أو شركات أو مؤسسات، والتواصل مع وكلاء آخرين لتحقيق أهداف مختلفة.

فقد يتفاوض وكيل يمثل شخصاً على قرض عقاري مع وكيل تابع لبنك، أو ينسق موعد عملية جراحية مع وكيل مستشفى، أو يعيد ترتيب رحلة مع وكلاء شركة طيران وفندق وشركة تأمين.

وهنا يتغير الهدف الأساسي وفقاً للتقرير: فبدلاً من التركيز على مدى ذكاء وكيل واحد، يصبح التحدي هو فهم ما قد يحدث عندما يتفاعل ملايين الوكلاء معاً، ولكل منها أهدافه ومصالحه وقواعده.

من الذكاء الاصطناعي إلى «المجتمعات الاصطناعية»

فكرة تفاعل أنظمة الذكاء الاصطناعي ليست جديدة؛ فقد بحث العلماء لعقود في الأنظمة متعددة الوكلاء، وفي كيفية جعل أنظمة مستقلة تتعاون وتخطط وتتفاوض.

لكن قدرات الأنظمة الحديثة تجعل الفكرة أكثر أهمية؛ فالوكلاء أصبحوا قادرين على استخدام الأدوات، والوصول إلى المعلومات، وكتابة الأكواد وتنفيذها، والتواصل مع أنظمة أخرى، والعمل لفترات طويلة من دون تدخل بشري مستمر.

ومع زيادة عدد الوكلاء، يمكن أن تظهر سلوكيات جماعية يصعب توقعها حتى لو كان كل وكيل منفرداً يؤدي مهمته بطريقة صحيحة.

سلسلة التوريد تكشف تعقيد التفاعل

يمكن تصور ذلك في سلسلة توريد تعتمد على وكيل للجهة المصنعة، وآخر للمورد، ووكلاء للنقل والمخزون والمستودعات. قد ينفذ كل وكيل مهمته وفق القواعد الموضوعة له، لكن تفاعل القرارات المختلفة قد يؤدي إلى نتائج لم يتوقعها أي طرف.

وفي تجربة شاركت فيها «أوبن إيه آي» و«هاجينغ فيس»، تفاعل آلاف الوكلاء عبر عشرات الآلاف من الرسائل، وتمكنت الأنظمة من تجاوز ضوابط أمنية كانت قد أُضعفت عمداً لأغراض التجربة. ويشير ذلك إلى أن السلوك الجماعي للأنظمة المستقلة قد يكون أكثر تعقيداً من سلوك أي نظام منفرد.

من يضع قواعد المجتمعات الاصطناعية؟

إذا أصبح الوكلاء يتعاونون ويتنافسون ويحلون النزاعات ويتخذون قرارات نيابة عن البشر، فإن المسألة لن تعود تقنية فقط. وستبرز أسئلة تتعلق بالقانون والاقتصاد والسياسة والمجتمع.

من المسؤول عندما يتخذ وكيل قراراً خاطئاً؟ وكيف تُحل النزاعات بين وكلاء لديهم مصالح متعارضة؟ ومن يضع القواعد التي تحكم هذه الأنظمة؟ ومن يملك حق تغييرها؟

هذه الأسئلة تجعل بناء «مجتمعات اصطناعية» مختلفاً جذرياً عن مجرد تطوير برنامج أكثر ذكاءً.

البشر والذكاء الاصطناعي… تعاون بدلاً من الاستبدال

بحسب التقرير، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل البشر في المستقبل؛ فالسيناريو الأكثر احتمالاً قد يكون تعاون البشر والوكلاء، بحيث يقدم البشر الحكم والخبرة والقيم وفهم السياق وتحمل المسؤولية، بينما يوفر الوكلاء السرعة والقدرة على العمل المستمر ومعالجة كميات هائلة من البيانات.

والهدف سيكون بناء أنظمة يستطيع فيها البشر والذكاء الاصطناعي تحقيق نتائج لا يستطيع أي منهما الوصول إليها بمفرده.

لكن تحقيق ذلك يتطلب الثقة والشفافية والخصوصية والمساءلة، إلى جانب قواعد واضحة تحكم تفاعل الأنظمة المختلفة.

التحدي المقبل: إدارة ملايين الأنظمة المستقلة

شهد العقد الماضي سباقاً لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر ذكاءً. أما التحدي المقبل فقد يكون إدارة ملايين الأنظمة المستقلة التي تعمل معاً بأمان وعدالة وفاعلية.

وبذلك، قد لا يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي فقط بمدى ذكاء كل وكيل على حدة، بل بطبيعة المجتمعات التي تنشأ من تفاعل هؤلاء الوكلاء؛ فإدارة مجتمع من الأنظمة المستقلة قد تكون أكثر صعوبة بكثير من إدارة نظام واحد، وهو ما يجعل وضع القواعد والمؤسسات وآليات المساءلة جزءاً أساسياً من مستقبل الذكاء الاصطناعي.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى