«حراس السندات» يعيدون رسم خريطة أوروبا.. لماذا أصبحت فرنسا أخطر من إسبانيا؟ : CNN الاقتصادية


وبلغة سوق السندات، لا يعني ذلك أن فرنسا على وشك التعثر، وإنما أن المستثمرين أصبحوا يطلبون منها علاوة مخاطر أعلى بكثير مقابل عجز مالي كبير، ودين متصاعد، وانتخابات رئاسية تقترب وسط برلمان منقسم.
من هم «حراس السندات»؟
وبعتقد خبراء أسواق المال أنها عودة لما يعرف بـ«حراس السندات» (Bond Vigilantes) وهم المستثمرون الذين يعاقبون السياسات المالية التي يعتبرونها غير منضبطة ببيع الدين الحكومي، ودفع عوائده إلى الارتفاع.
فرنسا تنتقل من «شبه ملاذ» إلى مركز العاصفة
قفز عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات بنحو 70 نقطة أساس خلال سبتمبر وحده، وتجاوز لفترة وجيزة 5% الأسبوع الماضي، مسجلاً أعلى مستوى منذ 2002، بحسب رويترز.
ووصل الفارق بين العائد الفرنسي ونظيره الألماني إلى قرابة 160 نقطة أساس الأسبوع الماضي، وهو الأعلى منذ أزمة ديون منطقة اليورو في 2012.
وفي تعاملات الأربعاء، أوردت وول ستريت جورنال أن العائد الفرنسي بلغ نحو 4.89% وأن الفارق مع ألمانيا دار حول 139 نقطة أساس.
ويقول خبراء أسواق المال لرويترز إن التحول الأهم يظهر عند المقارنة بإسبانيا، فأصبح عائد السند الإسباني لعشر سنوات أقل من الفرنسي بنحو 75 نقطة أساس، بينما كان أعلى منه بنحو 500 نقطة أساس أثناء أزمة 2012. أي أن السوق قلبت عملياً ترتيب المخاطر الذي حكم منطقة اليورو طوال العقد الماضي.
لماذا تكافئ الأسواق مدريد وتعاقب باريس؟
وبحسب الخبراء، فإن الجواب يبدأ من الحسابات المالية، حيث تتوقع المفوضية الأوروبية نمو الاقتصاد الإسباني 2.4% في 2026، مع عجز حكومي يعادل 2.4% من الناتج، ودين عام عند 99.6%، يتراجع إلى 98.9% في 2027.
ورغم دعوة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر تشرين الثاني، ظلت قوة الاقتصاد الإسباني حاجزاً أمام انتقال اضطرابات فرنسا بالكامل إلى مدريد.
وعلى الجانب الآخر تسير فرنسا في الاتجاه المعاكس، فنجد وزارة المالية الفرنسية تتوقع وصول العجز إلى 5.4% من الناتج في 2026، قبل استهداف 5% في 2027، بينما يُتوقع ارتفاع الدين من 119.3% من الناتج هذا العام إلى 121.7% في 2027.
وحتى بيانات يوروستات الموحدة للربع الأول من 2026 تظهر الفجوة بوضوح: الدين الفرنسي عند 117.6% من الناتج مقابل 101.6% لإسبانيا.
وهنا تتحول الانتخابات إلى مشكلة مالية، حيث إن المستثمر يستطيع تحمل السياسة المتقلبة إذا كانت الموازنة والنمو يوفران هامش أمان، كما في إسبانيا، لكنه يصبح أقل تسامحاً عندما يقترن عدم اليقين السياسي بمسار دين صاعد وعجز يتجاوز سقف الاتحاد الأوروبي البالغ 3%، كما في فرنسا.
جدار ديون بقيمة 340 مليار يورو
يقول خبراء أسواق المال إن المشكلة الفرنسية لا تتعلق بحجم الدين فقط، بل بكمية السندات التي ستطلب باريس من السوق استيعابها، وفق رويترز.
وتؤكد وكالة الخزانة الفرنسية (Agence France Trésor) أن احتياجات تمويل الدولة ستصل إلى 339.7 مليار يورو في 2027، بزيادة 28 ملياراً على التقدير المحدث لعام 2026، وأن الحكومة ستصدر مستوى قياسياً يبلغ 340 مليار يورو من السندات المتوسطة والطويلة الأجل، صافي عمليات إعادة الشراء.
ويرجع جزء كبير من الزيادة إلى حلول آجال ديون أُصدرت خلال أزمتي كورونا والطاقة؛ إذ سترتفع استحقاقات السندات المتوسطة والطويلة بنحو 19.4 مليار يورو، والنتيجة أن باريس ستعيد تمويل ديون رخيصة صدرت في عصر الفائدة المنخفضة بأسعار أعلى كثيراً، ما يحول ارتفاع العائد من إشارة سوقية إلى عبء تدريجي على الموازنة.
ألمانيا تستعيد دور «الأصل الآمن»
في الجانب الآخر، أعادت موجة البيع الاعتبار للسندات الألمانية، حيث انخفض عائد البوند الألماني لعشر سنوات 17 نقطة أساس الأسبوع الماضي بينما ارتفع الفرنسي 13 نقطة، كما تراجعت عوائد هولندا وسويسرا والسويد مع تدفق الأموال إلى الديون الأعلى جودة، وفق رويترز.
حتى إيطاليا لم تتعرض للعقاب نفسه الذي أصاب فرنسا، وإن ظلت عرضة للعدوى؛ فقد اتسع فارق عائدها مع ألمانيا إلى نحو 130 نقطة أساس من 80 نقطة قبل شهر.
وما يحدث إذاً ليس إعادة إنتاج بسيطة لانقسام «الشمال الآمن والجنوب الخطر»، بل نشوء ترتيب جديد تحدده الموازنة والنمو والمصداقية السياسية أكثر من الجغرافيا.
هل يستطيع البنك المركزي الأوروبي إيقاف «الحراس»؟
يمتلك البنك المركزي الأوروبي منذ 2022 أداة حماية انتقال السياسة النقدية TPI، التي تسمح بشراء سندات دول تتعرض لتحركات سوقية «غير مبررة وغير منظمة» تهدد انتقال السياسة النقدية. لكن شروطها تأخذ في الاعتبار الالتزام بالقواعد المالية الأوروبية واستدامة الدين والسياسات الاقتصادية السليمة. وفرنسا بالفعل خاضعة لإجراء العجز المفرط الأوروبي، وإن كانت المفوضية قد أبقت الإجراء معلقاً في يونيو بعدما خلصت إلى اتخاذ باريس إجراءات فعالة.
وهذا هو مأزق فرانكفورت: التدخل يمكن أن يمنع العدوى، لكنه لا يفترض أن يمحو علاوة مخاطر ناتجة عن اختيارات مالية محلية.
وقال محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان، الأربعاء، إن فرنسا لا تحتاج حالياً إلى تدخل المركزي الأوروبي، وإن الحل «في الداخل» عبر إقرار موازنة تخفض العجز، وفق ما نقلته عنه رويترز.
«حراس السندات» يضعون سقفاً جديداً للسياسة
وصفت كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي الأسواق في (Man Group)، ما يجري قائلة إن «حراس السندات خرجوا بقوة»، ويعاقبون الدول التي لا يرونها منضبطة مالياً، والاختبار الحقيقي سيكون ما إذا ظلت العدوى محصورة في فرنسا والدول الأضعف مالياً، أم بدأت فوارق العائد تتسع أيضاً في دول أقوى أساساً مثل إسبانيا والبرتغال.
ويرى الخبراء أوروبا ليست في 2012 حتى الآن؛ فالفوارق لا تزال بعيدة عن المستويات التي تجاوزت آنذاك 500 نقطة أساس لإيطاليا و3000 نقطة لليونان، لكن الرسالة تغيرت بالفعل: عضوية اليورو لم تعد كافية لمنح الحكومات أسعار اقتراض متقاربة، وفي النظام الجديد، يمكن لدولة كانت في قلب أزمة الديون مثل إسبانيا أن تصبح أكثر أماناً من فرنسا، لأن «حراس السندات» باتوا يسعّرون الانضباط المالي قبل التاريخ والجغرافيا.




