رهانات على مزيد من الدعم الأطلسي لأوكرانيا بفضل نجاحاتها العسكرية

بعد أسبوعين تستضيف أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل قمة الحلف الأطلسي التي من المقدر لها أن تركز على ملفين رئيسيين: التأكيد على وحدة الحلف الغربي بين جناحيه الأوروبي والأميركي الشمالي من جهة، وتعزيز التعاون والدعم لأوكرانيا وسط مؤشرات إيجابية متعددة الأشكال لكييف.
وأبرز هذه المتغيرات ما تمخضت عنه قمة إيفيان لمجموعة السبع التي استضافتها فرنسا، وشارك في جزء منها، بدعوة رسمية من الرئيس إيمانويل ماكرون، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي حظي باجتماعين مع الرئيس الأميركي.
ووفق المصادر الفرنسية، فإن إيفيان نجحت في دفع ترمب لتغيير مقاربته لملف الحرب في أوكرانيا وعودته للانخراط في دعم كييف. ولعل أهم مؤشر على هذا التحول القلق الذي انتاب موسكو المتخوفة من انقلاب البيت الأبيض على المحددات التي طرحها سابقاً لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وعبّر سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي عن هذا التخوف، الأربعاء، بقوله، بمناسبة فعالية دبلوماسية في موسكو، إنه «فيما يتعلق بأوكرانيا، نريد أن نفهم ما جرى في إيفيان»، مضيفاً أن الأميركيين «لم يطلعونا حتى الآن بشأن مما خلصوا إليه في قمة إيفيان أو ما هي خطوتهم المستقبلية».
ونقل لافروف أيضاً عن ماكرون قوله إن «التفاهمات» التي جرى التوصل إليها في أغسطس (آب) الماضي، بين ترمب والرئيس فلاديمير بوتين في «أنكوراج» بألاسكا قد «دفنت» في إيفيان.

ومن المتعارف عليه أن أساس هذه التفاهمات التي تعكس الرؤية الأميركية – الروسية المشتركة للحل في أوكرانيا يقوم على انسحاب القوات الأوكرانية من الأراضي التي ما زالت تسيطر عليها من مقاطعة الدونباس الواقعة شرق أوكرانيا لصالح روسيا التي تقبل بوضع حد للحرب عند خطوط القتال الراهنة. كذلك ما زالت موسكو تعرب عن قلقها واعتراضها على مواصلة شراء الأوروبيين للأسلحة الأميركية التي تنقل بعدها إلى القوات الأوكرانية.

مزاج ترمبي جديد
إذا كانت ثمة حاجة لقياس تغير مقاربة ترمب للملف الأوكراني، فتكفي الإشارة إلى ما قاله، الأربعاء، لصحافيين في المكتب البيضاوي وما نقل عنه من إيفيان. وقال ترمب متحدثاً عن زيلينسكي وما آلت إليه الحرب: «إنه يبلي بلاء حسناً. إنه صامد، على الأقل. هناك الكثير من الناس يموتون من الجانبين، لكنني أعتقد أنه يبلي بلاء حسناً».
ويتذكر الكثيرون صورة الاجتماع العاصف في المكتب نفسه، حيث وجه ترمب مضبطة اتهامات لزيلينسكي قائلاً له: «أنت لا تملك أي أوراق في الحرب ضد روسيا». وليس سراً أن ترمب أوقف منذ نحو العام الدعم المالي والعسكري لكييف التي رسا حملها، بشكل رئيسي على الدول الأوروبية.

خمس منها «ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا» أصدرت بياناً جماعياً عقب اجتماع دعا له المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين وشارك فيه عن بعد أمين عام الحلف مارك روته، وجاء في الفقرة المخصصة لأوكرانيا ما حرفيته: «يعتزم القادة تعزيز دعمهم لأوكرانيا بشكل كبير في دفاعها ضد العدوان الروسي، بما في ذلك عبر فرض عقوبات إضافية وممارسة مزيد من الضغط الاقتصادي على روسيا، إضافة إلى دعم صمود قطاع الطاقة الأوكراني. كما يدعمون التزامات الدعم العسكري التي تم التعهد بها خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتكثيف التعاون مع أوكرانيا من خلال مبادرات الحلف… ويجدد القادة التزامهم بتعميق شراكة الناتو مع أوكرانيا، بما يقربها أكثر من الحلف، مع الاعتراف بمساهمتها الأساسية في الأمن الأوروبي الأطلسي. واتفق القادة على شروط تحقيق سلام عادل ودائم، ودعموا مقترحات إجراء حوار مباشر بين أوكرانيا وروسيا، مع مشاركة أوروبية وأميركية فاعلة».
وخلال مشاركته في بولندا في مؤتمر حول تعافي أوكرانيا وإعادة إعمارها بعد الحرب، الخميس، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى البدء في إجراء مفاوضات لإحلال السلام في الجمهورية السوفياتية السابقة. وقال ميرتس في مدينة غدانسك إن «روسيا لن تكسب هذه الحرب»، مؤكداً أن أوروبا والتحالف العابر للأطلسي على استعداد لممارسة المزيد من الضغوط على الاقتصاد الروسي المتضرر. ووجه ميرتس حديثه إلى القيادة السياسية في موسكو قائلاً: «لقد حان الوقت لبدء المفاوضات، وتجميد خط الجبهة، ووقف عمليات القتل». وشدد ميرتس على أن دعم أوكرانيا، التي تخوض حرباً مع روسيا منذ أكثر من أربع سنوات، يمثل «التزاماً راسخاً لا يتزعزع» بالنسبة لألمانيا.

مليارات أوروبا
لم تكن التزامات القادة الأوروبيين الخمسة وثناء ترمب على زيلينسكي قد حلت وحدها وبرداً وسلاماً على كييف. فبمناسبة مؤتمر إعادة الإعمار في أوكرانيا، أعلنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، الإفراج عن قرض قيمته 3 مليارات يورو، ويعد الدفعة الأولى من قروض إجمالية استدانتها المفوضية لصالح أوكرانيا وتبلغ قيمتها الإجمالية 90 مليار يورو.
وأكدت فون دير لاين أن دفعة ثانية من ستة مليارات يورو سوف تخصص لإنتاج الطائرات المسيرة لصالح القوات الأوكرانية. وثمة توافق أوروبي على القول إن المسيرات «قلبت مسار الحرب»؛ إذ إن أوكرانيا قادرة اليوم على ضرب أهداف تبعد ما بين 1500 و2000 كلم داخل الأراضي الروسية. وأفادت المسؤولة الأوروبية بأن الاتحاد الأوروبي قدم، منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، في فبراير (شباط) 2022 نحو 200 مليار يورو من الدعم الاقتصادي والمالي والعسكري لأوكرانيا. وهذا الدعم سوف يتواصل فيما سير كييف نحو الدخول إلى النادي الأوروبي يتقدم بعد انطلاق مفاوضات الانضمام رسمياً بين كييف وبروكسل.

أما الخبر الآخر السار لكييف من غدانسك فيتناول إطلاق صندوق أوروبي للاستثمار في القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الأوكراني. ونقل عن المستشار ميرتس قوله: «من خلال حزمة تمويل عامة أولية تصل إلى 220 مليون يورو، نؤسس للثقة وآلية تقاسم المخاطر التي يحتاج إليها المستثمرون من القطاع الخاص للمشاركة منذ الآن» في الصندوق المذكور. ومن جانبها، أعلنت رئيسة الوزراء الأوكرانية سفيريدينكو أن وفد بلادها يعتزم توقيع 160 اتفاقية بقيمة تتجاوز 10 مليارات يورو خلال مؤتمر غدانسك.

التغيرات الميدانية
كل ما سبق يعكس تغيراً جذرياً في المناخ المحيط بحرب أوكرانيا، حيث إن التقييم الغالب أن التطورات الميدانية تبين أن روسيا ليس في وضع يمكنها الفوز في هذه الحرب التي أطلقتها قبل أكثر من أربع سنوات. واليوم، ثمة حسابات وسيناريوهات غربية، وحتى أميركية، بعيدة كل البعد عما كانت عليه قبل عام.
كذلك، فإن الحلف الأطلسي بدأ بمراجعة مقاربته. وشهد الشهر الحالي مبادرتين رئيسيتين لصالح أوكرانيا. الأولى، قيام مجلس الحلف الأطلسي، في بادرة غير مسبوقة، بزيارة كييف من أجل اجتماع أطلسي – أوكراني في خطوة رمزية قوية تؤكد استمرار تعزيز الشراكة بين الطرفين رغم أن انتماء أوكرانيا للحلف المذكور ليس مطروحاً على المدى المنظور. والبادرة الثانية اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل يوم 18 يونيو (حزيران) بالرئيس زيلينسكي والتفاهم على تجديد الدعم لكييف.
واليوم، وبالنظر للتطورات الميدانية، تغيرت النظرة الغربية لأوكرانيا التي لم تعد عبئاً، بل أخذ ينظر إليها على أنها لاعب رئيسي في الدفاع عن أوروبا بمواجهة أي نوايا عدوانية روسية. ومؤخراً جمع منتدى الناتو – أوكرانيا الذي عُقد في فيلنيوس، مئات الخبراء لمناقشة دور الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي وصناعة الأسلحة والابتكار العسكري.
ويسعى الأطلسيون حالياً إلى الاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في ساحة المعركة. وخلال «معرض يوروساتوري» لأنظمة الأسلحة الأرضية الذي حصل الأسبوع الماضي قريباً من باريس، كان الجناح الأوكراني محل اهتمام كبير من زائرين رسميين وخبراء، ما يوفر لكييف ورقة إضافية لاجتذاب الدعم الغربي لها. ويدور حالياً نقاش استراتيجي حول مكانة أوكرانيا في الأمن الأوروبي، حيث أخذ الجيش الأوكراني بالتحول إلى لاعب رئيسي في منظومة الدفاع الأوروبية.
ودعا الأمين العام السابق للأطلسي، أندرس فوغ راسموسن، إلى دمج أوكرانيا بشكل أكبر في آليات الأمن الأوروبية، مشيراً إلى أن الجيش الأوكراني يُعد اليوم من أكثر الجيوش خبرة في أوروبا. ولذا، تتوقع المصادر الأوروبية في باريس أن تولي قمة الأطلسي التي يرجح دعوة زيلينسكي إليها اهتماماً ملحوظاً للملف الأوكراني بالنظر لما يرتبط به من تحولات وانعكاسات على أمن الأوروبيين وأمن الحلف بشكل عام.




