شؤون عربية ودولية

«الذهب الحائر».. هل ينحاز لكفة الحرب والنفط أم لمعادلة الفائدة والتضخم؟ : CNN الاقتصادية



يجد الذهب نفسه اليوم في قلب «معادلة صفرية» معقدة؛ فبينما تدفعه نيران الحروب والتوترات الجيوسياسية نحو الأعلى كملاذ آمن، تجذبه مخاوف التضخم وارتفاع أسعار النفط إلى الأسفل عبر بوابة السياسة النقدية المتشددة.

وفي رقصةٍ محفوفةٍ بالمخاطر، يقف الذهب اليوم فوق رمالٍ متحركة، عالقاً في «معادلةٍ صفرية» لا تعرف الرحمة، حيث تتقاذفه نيران التوترات الجيوسياسية المشتعلة نحو قمم الملاذ الآمن، وتشده أشباح التضخم المتربصة وسياط الفائدة المتشددة نحو هاوية التراجع.

وفي هذه المساحة الضيقة، المحصورة بين 3950 و4150 دولاراً للأونصة، يرفض المعدن الأصفر الانصياع لنبوءات الانهيار التي تتوعده بتصحيحٍ عنيفٍ يقتلع أوتاد استقراره، كما يأبى التحرر في قفزاتٍ صاروخيةٍ تعيد للأذهان أمجاد الصعود الجامح.

إنها «حيرةٌ في هيئة معدن»؛ يقف متصلباً في منطقةٍ رمادية، يتأرجح بين جنون الحرب وقسوة المال، متمسكاً بوقفة المتأمل الحذر، فلا هو سقط في جبِّ الخيبة، ولا هو حلق في سماوات الانتصار، بل ظل حبيس هذا الترقب الذي يرفض الانصياع لأي من سيناريوهات التطرف السعري، شاهداً على توازنٍ هشٍ يترنح على حافة المجهول.

أولاً: كفة النفط والتوترات.. «الملاذ الآمن» الذي خذله التضخم

على الرغم من أن منطق الأسواق التقليدي يقتضي ارتفاع الذهب مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتجاوز خام برنت حاجز الـ90 دولاراً للبرميل، فإن هذا الارتفاع بات مكتوماً ومقيداً.

ونتيجة لذلك، بدلاً من أن يكون الذهب المستفيد الأول من الاضطراب، أصبحت الأسواق تخشى أن يؤدي صعود أسعار الطاقة إلى إجبار الاحتياطي الفيدرالي على التمسك بسياسة فائدة مرتفعة لفترة أطول لمحاصرة التضخم، وهو ما يضر بالأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب. وتبرز هنا علاقة عكسية غير متوقعة؛ ففي الظروف العادية تدفع التوترات الذهب للصعود، لكن هذه المرة ارتبط ارتفاع النفط بخطر التضخم المباشر.

ثانياً: معادلة الفائدة.. العدو الأول للمعدن الأصفر

تسيطر توقعات الفائدة على حركة الذهب بشكل يفوق أحياناً تأثير الحروب، وذلك لعدة اعتبارات جوهرية. يبرز أولها في «تكلفة الفرصة البديلة»؛ فعندما ترتفع عوائد سندات الخزانة الأميركية نتيجة توقعات بقاء الفائدة مرتفعة، يصبح الاحتفاظ بالذهب الذي لا يقدم فوائد أو توزيعات استثمارية أمراً مكلفاً للمستثمرين.

أما الاعتبار الثاني فيتمثل في رهانات الأسواق التي تشير إلى احتمال قوي يصل إلى 85.6% لتثبيت الفائدة في اجتماع 29 يوليو، مع بقاء المخاوف قائمة من توجه الفيدرالي نحو التشدد مجدداً في سبتمبر إذا استمرت أسعار النفط في تأجيج التضخم.

وحتى اللحظة، لا يعيش الذهب حالة انحياز كامل، بل يقبع في توازن قلق؛ فإذا هدأت جبهة النفط، قد يتنفس الذهب الصعداء مع تراجع مخاوف التضخم، مما يخفف الضغط على الفيدرالي ويقلص عوائد السندات.

أما إذا استمر تصعيد التوترات في مضيق هرمز، فسيظل الذهب تحت الضغط، ليس بسبب الحرب ذاتها، بل بسبب رد الفعل التضخمي الذي سيجبر البنوك المركزية على الحفاظ على تكلفة اقتراض مرتفعة، وهو السيناريو الذي يظل فيه الذهب حبيساً لنطاقه الحالي.

يواجه المعدن الأصفر حالياً حالة من التذبذب الحذر، حيث يتحرك في نطاق ضيق محصوراً بين عتبتي نقطة حرجة أعلاها 4150 وأدناها 3950 دولار.

وتأتي هذه الحيرة السعرية في وقت تتزايد فيه التوقعات بأن صدمات الطاقة الجيوسياسية قد تقطع الطريق أمام تيسير السياسة النقدية عالمياً.

يتعرض الذهب لضغوط متناقضة؛ فبينما يجد دعماً كـ«ملاذ آمن» نتيجة التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط وتجاوز خام برنت حاجز الـ90 دولاراً للبرميل، تثير هذه القفزات في أسعار الطاقة مخاوف حقيقية من عودة ضغوط التضخم بقوة.

يرى المحللون أن ارتفاع تكاليف الوقود، كما ظهر جلياً في تقارير أرباح قطاع الطيران، يمثل «إشارة تحذيرية» بأن الضغوط السعرية قد لا تكون مؤقتة، ما يجعل مهمة البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة وتعقيداً.

تنعكس هذه المخاوف بشكل مباشر على توقعات الأسواق؛ إذ لا تزال الأسواق تتوقع على نطاق واسع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر في 29 يوليو، حيث تشير عقود الأموال الفيدرالية إلى احتمال يبلغ 85.6% لتثبيت الفائدة، ارتفاعاً من 61.5% قبل شهر، وفقاً لأداة «فيدووتش» (FedWatch) التابعة لمجموعة «سي إم إي».

وهذا التحول في التوقعات يؤكد قناعة المستثمرين بأن استمرار ارتفاع أسعار النفط سيجبر صناع السياسات على الإبقاء على معدلات فائدة مرتفعة لفترة أطول (Higher for Longer) للسيطرة على التضخم المشتعل.

ويجد الذهب نفسه عالقاً بين الطلب على الأصول الآمنة والتحديات التي تفرضها سياسات البنوك المركزية المرتقبة، ما يؤدي إلى إعادة توزيع السيولة نحو الأصول التكنولوجية التي يغذيها زخم الذكاء الاصطناعي.

يظل السوق في حالة تأهب قصوى؛ فبينما يراهن البعض على الذهب كتحوط ضد التضخم، تحذر بيانات السياسة النقدية من أن التمسك بأسعار فائدة مرتفعة قد يحد من المكاسب السريعة للمعدن النفيس، مما يجعل الأسواق في حالة «انتظار وترقب» لأي تطورات جيوسياسية جديدة قد تدفع السعر لكسر حالة الحيرة الحالية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى