شؤون عربية ودولية

السيولة النقدية في الأزمات.. درع حماية أم فخ استثماري؟ : CNN الاقتصادية



في أوقات الأزمات، تعود السيولة النقدية إلى الواجهة بوصفها أحد أهم عناصر الدفاع المالي، ليس لأنها الأعلى عائداً، بل لأنها الأعلى مرونة؛ فعندما ترتفع التقلبات، وتتراجع أسعار الأصول، وتضيق شهية الائتمان، يصبح امتلاك النقد أو ما يعادله عاملاً حاسماً في حماية المستثمر من البيع القسري، وتمويل الالتزامات العاجلة، وشراء الوقت حتى تتضح الرؤية.

ولهذا تميل الأسواق في فترات الاضطراب إلى تفضيل النقد والأدوات القصيرة الأجل، وهو ما أشار إليه صندوق النقد الدولي عند رصده تفضيل المستثمرين للنقد والأصول قصيرة المدة خلال فترات التقلب الشديد، فهل السيولة النقدية في أوقات الأزمات حماية ضرورية أم فخ استثماري؟

بحسب تقارير مؤسسات مالية واقتصادية متخصصة مثل رويترز وصندوق النقد الدولي وتقارير الفيدرالي الأميركي ومؤسس فينرا (FINRA) للخدمات المالية، استطلعت «CNN الاقتصادية» آراءهم فإن أهمية السيولة لا تعني أن النقد ملاذ آمن مُطلق؛ فالنقد يحمي من تقلب السعر، لكنه لا يحمي دائماً من تآكل القوة الشرائية، الفيدرالي الأميركي يؤكد في بيان له أن التضخم المرتفع يضعف قيمة الأموال المحتفظ بها، أي أن من يحتفظ بسيولة كبيرة لفترة طويلة قد يتجنب خسائر السوق الاسمية، لكنه يتعرض في المقابل لخسارة حقيقية صامتة بفعل ارتفاع الأسعار.

لماذا تصبح السيولة مهمة وقت الأزمات؟

تصبح السيولة المالية مهمة وقت الأزمات لأسباب عدة أولها أن الأزمة لا تضرب المَحافظ المالية فقط، بل تضرب أيضاً التدفقات النقدية، فقد يواجه المستثمر هبوطاً في قيمة أصوله بالتزامن مع تراجع دخله، أو تأخر مستحقاته، أو صعوبة التخارج من بعض الاستثمارات، وهنا تظهر قيمة السيولة باعتبارها جسر عبور، لا مجرد رصيد خامد، وفق ما نقلته (FINRA) عن خبراء ماليين.

والسبب الثاني أن الأزمات ترفع ما يعرف بمخاطر السيولة؛ أي صعوبة تحويل الأصل إلى نقد بسرعة ومن دون خسارة كبيرة في السعر.

وتشير مؤسسة «فينرا» إلى أن انخفاض سيولة الأسواق يجعل البيع أصعب وأكثر كلفة، خاصة في الأصول التي يقل فيها عدد المشترين أو ترتفع فيها التقلبات.

والسبب الثالث هو أن السيولة تمنح المستثمر ميزة هجومية أيضاً، لا دفاعية فقط؛ فالمستثمر الذي يملك احتياطياً نقدياً مدروساً لا يضطر إلى تصفية أصول جيدة بأسعار متدنية، بل قد يتمكن من اقتناص فرص نادرة عندما تنخفض التقييمات بشكل مبالغ فيه.

ماذا قال وارن بافيت عن السيولة النقدية؟

وفي تقرير نشرته CNN الاقتصادية يصف الملياردير الأميركي والرئيس السابق لشركة بيركشاير هاثاواي، وارن بافيت، السيولة النقدية وقت هبوط الأسعار بأنها “أكسجين” ضروري للمستثمر، متبنياً سياسة “كن جشعاً عندما يخشى الآخرون” لاستغلال الانهيارات في الشراء بأسعار رخيصة.

ويرى الملياردير المُلقّب بـ«عراب أوماها» أن النقد يوفر فرصة لشراء الأصول المنتجة الجيدة بخصومات كبيرة، معتبراً أن الأزمات هي الوقت الأمثل لاقتناص “الذهب”، بينما يحذر من تكديس النقد طويلاً لأنه يقلل القوة الشرائية.

متى تكون السيولة النقدية مفيدة للمستثمر؟

تكون السيولة النقدية مفيدة للمستثمر في حال أنها تؤدي 3 وظائف مهمة؛ الأولى حماية الالتزامات المالية قصيرة الأجل مثل أقساط، ورواتب، ونفقات التشغيل، والاحتياجات المعيشية الأساسية، والوظيفة الثانية هي منع البيع القسري مثل تصفية الاستثمارات طويلة الأجل في أسوأ توقيت، والوظيفة الثالثة هي توفير المال لاقتناص الفرص حين تهبط الأسعار وتصبح الأصول الجيدة أرخص من قيمتها العادلة وهو ما يطلق عليه المستثمرين مصطلح «أسهم القيمة»، وحال توفرت الوظائف الثلاث تصبح السيولة النقدية أداة لإدارة المخاطر ممتازة.

ما هي مخاطر الإفراط في الاحتفاظ بالسيولة النقدية؟

يقول الفيدرالي الأميركي،  في تقرير له، إن مخاطر الإفراط في الاحتفاظ بالسيولة المالية تتمثل في تآكل القوة الشرائية إذا بقيت الأموال في صورة نقدية لفترة طويلة خلال بيئة تضخمية، فإن قيمتها الحقيقية تنخفض حتى لو بدا الرصيد الاسمي ثابتاً، مُعلقاً «الاحتفاظ بالنقد يعطي إحساساً بالأمان، لكنه قد يخفي خسارة بطيئة ومستمرة».

والخطر الثاني هو ضياع تكلفة الفرصة، ففي كثير من الأزمات، تتحول الهبوطات الحادة لاحقاً إلى أفضل نقاط الدخول، والمستثمر الذي يتمسك بالنقد أكثر من اللازم قد يفوّت تعافي الأسواق أو صعود الأصول عالية الجودة.

والخطر الثالث هو أن المستثمر قد يشعر بوهم الأمان لمجرد أنه يحتفظ بسيولة نقدية كبيرة لديه لأطول فترة ممكنة، أما الخطر الرابع فهو سوء التوقيت إذ يرى خبراء أسواق المال أن الاحتفاظ بالنقد سهل، لكن قرار العودة إلى السوق أصعب بكثير، فكثير من المستثمرين ينجحون في الخروج من السوق بدافع الخوف ثم يفشلون في العودة بسبب سيطرة القلق عليهم.

متى تتحول السيولة النقدية إلى فخ استثماري؟

يقول خبراء أسواق المال إن السيولة النقدية تتحول إلى فخ استثماري عندما يحتفظ المستثمر بها بدافع الخوف لا بدافع الخطة، أي عندما يكون القرار نفسياً أكثر من كونه مالياً، وعندما تتجاوز السيولة حجم الحاجة الفعلية، فالفرق كبير بين احتياطي محسوب وبين تكديس نقدي غير منتج.

ومن أسباب تحول السيولة النقدية أيضاً إلى فخ استثماري عندما تكون الأزمة تضخمية، وفي هذا النوع من الأزمات، قد يخسر النقد تدريجياً بينما تكون بعض الأصول الحقيقية أو المدرة للدخل أكثر قدرة على الصمود.

ومن الأسباب أيضاً عندما تغيب قواعد العودة التدريجية للسوق، فالخروج بلا خطة دخول لاحقة يجعل السيولة سجناً مريحاً.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى