الفرنسيون يتأهّبون لسبت احتجاجي جديد وسط استنفار أمني واسع

استيقظت فرنسا على وقع صدمة أمنية وسياسية بالغة بعد أن شهدت مقاطعة إيفلين (Yvelines)، في الضواحي الغربية للعاصمة باريس، هجوماً إرهابياً مسلحاً نُفذ بدافع عنصري(تشرين الأول) واستهدف عمداً مواطنين من أصول مهاجرة. وأسفر الحادث المأساوي الممتد بين بلدتي تراب (Trappes) ولا فيريير (La Verrière) عن مقتل لاعب الفنون القتالية المختلطة (MMA) الفرنسي الواعد بينغو بوسيو وانغي، البالغ من العمر 26 عاماً، والذي أثار اغتياله الغادر موجة استنكار واسعة في الأوساط الرياضية، والسياسية، في حين أصيب خمسة أشخاص آخرون بجروح بليغة، بينهم طفلة لا تتجاوز الـ12 من عمرها ترقد حالياً في العناية المركزة حسب ما أعلنته السلطات الفرنسية.

بينغو بوسيو وانغي… هوية الضحية ومساره الرياضي الواعد
تصدّر اسم الشاب الراحل بينغو بوسيو وانغي (Pengo Bossio Wangi) العناوين كضحية وحيدة فارقت الحياة مباشرة في هذا الاعتداء الغادر بساحة لويس بيرغو في بلدة تراب.
ويتحدر وانغي من أصول كونغولية (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، لكنه ولد ونشأ في مدينة بواسي (Poissy) بمقاطعة إيفلين، وحمل الجنسية الفرنسية.
مثّل الشاب الراحل نموذجاً لجيل الضواحي المكافح، حيث نشأ تحت رعاية الهيئات الاجتماعية، وتنقّل بين وظائف معيشية بسيطة لتأمين قوته اليومي، توازياً مع تركيز شغفه وحلم حياته في حلبات رياضة الفنون القتالية المختلطة (MMA) التي تميز فيها ضمن فئة الهواة.

أمضى وانغي ثلاث سنوات من التدريب الشاق والمنضبط في أكاديمية «أتش» الشهيرة (Atch Academy) الواقعة في بلدية أوبيرفيلييه (Aubervilliers) بضواحي باريس الشمالية، وهي أحد أبرز معاقل هذه الرياضة في فرنسا، والتي تخرّج منها أبطال عالميون، مثل البطل الفرنسي صلاح الدين بارناس نجم الفنون القتالية، وبطل منظمة (KSW) الذي نعى نجم الشاب الراحل بكلمات مؤثرة عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، حيث كتب معبراً عن صدمته وأساه: «رقدت في سلام… كل مشاعري ومواساتي لعائلته، وأقربائه، لن ننساك أبداً».
نافس الشاب الراحل بـ«أكاديمية أتش» في الأوزان المتوسطة، ووزن الوسط (بين وزني 77 و84 كيلوغراماً)، مسجلاً في مسيرته الرياضية 3 انتصارات مقابل 4 هزائم. ووفقاً لمدربيه وزملائه، كان وانغي يُعرف بـ«المقاتل الساطع» نظراً لابتسامته الدائمة، وطاقته الإيجابية، وكان يستعد لدخول مرحلة تحول بدنية وفنية تمهيداً للانتقال إلى عالم الاحتراف، والتوقيع مع منظمات كبرى قبل أن ينهي الرصاص طموحه.
تفاصيل الرحلة الدموية للمهاجم وإجراءات القضاء
وفقاً لتحقيقات النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب (PNAT)، التي تولت القضية سريعاً تحت بند «القتل ومحاولة القتل المرتبطة بمشروع إرهابي بدافع عنصري، أو ديني»، فإن الهجوم بدأ في حدود الساعة 10:30 صباحاً يوم الجمعة.
استقل المهاجم، الذي تم تعريفه باسم كيفين ت. (Kevin T.) البالغ من العمر 39 عاماً، سيارة من نوع رينو كليو رمادية اللون، وبدأ بإطلاق النار العشوائي والكثيف باستخدام مدفع رشاش (Sten) في شوارع تراب، حيث كان وانغي أول من طالته الرصاصات ليفارق الحياة في موقع الهجوم مباشرة، ليتابع الجاني بعد ذلك طريقه نحو بلدة لا فيريير المجاورة مصيباً خمسة أشخاص آخرين.
تمكنت عناصر الشرطة من توقيف الجاني في بلدة كوانيير بعد مواجهة قصيرة، وعُثر بحوزته على السلاح المستخدم، وقنابل غاز مسيل للدموع.

ومما زاد من خطورة المخطط، كشفت المداهمات التي جرت في شقة المشتبه به ببلدة بليزير عن تفخيخ المنزل بثلاث أسطوانات غاز، ومؤقت إلكتروني، إضافة إلى كميات من المسامير، وكرات الصلب، والذخيرة الحية. كما أوقفت السلطات والدة المتهم على ذمة التحقيق.
ماكرون يعلنها «اعتداءً عنصرياً» ويثير جدلاً سياسياً
انتقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الفور مساء الجمعة إلى بلدة تراب للقاء المسؤولين، وعائلات الضحايا، واصفاً الحادث بأنه «اعتداء إرهابي وعنصري» استهدف مواطنين عمداً بسبب لون بشرتهم، وأصولهم.
واعتبر ماكرون الهجوم بمثابة «منعطف خطير»، لكونه المرة الأولى التي يُخطط فيها لعمل إرهابي من هذا النوع لقتل فرنسيين بناءً على لون البشرة في تاريخ البلاد القريب.
أثارت تصريحات الرئيس جدلاً سياسياً حاداً، وانتقادات واسعة من اليمين واليسار على حد سواء، حيث اتهمه معارضوه بـ«المفاضلة بين آلام الضحايا» وتناسي أحداث إرهابية دامية سابقة مدفوعة بالكراهية، والعنصرية.
ودفع هذا التوتر الإليزيه إلى إصدار توضيح يؤكد فيه الرئيس أنه لا يهدف إلى إقامة تراتبية في المعاناة، بل إنه تذكير بضرورة الوحدة الوطنية ضد كافة أشكال الكراهية.
حصيلة العمليات الإرهابية في عهد ماكرون
يعيد هذا الاعتداء للأذهان التهديد الإرهابي المستمر الذي تعيشه فرنسا، إذ شهدت فترتا حكم الرئيس ماكرون (منذ توليه السلطة عام 2017 وحتى اليوم) سلسلة من الهجمات المروعة التي تنوعت من حيث الدوافع، والخلفيات.
فقد واجهت فرنسا في عهده أكثر من 20 هجوماً إرهابياً ناجحاً، إضافة إلى إحباط عشرات المخططات الأخرى، وسجلت هذه العمليات حصيلة ضحايا تجاوزت الـ90 قتيلاً، ومئات الجرحى.
ومن أبرز هذه المحطات الدامية اعتداءات الفكر المتطرف (الجهادي)، ومنها هجوم تريب وكاركاسون (2018)، واعتداء سوق عيد الميلاد في ستراسبورغ (2018)، واعتداء مقر شرطة باريس (2019)، وصولاً إلى مقتل المعلم صامويل باتي (2020)، وهجوم كنيسة نيس (2020)، واعتداء ضواحي المدارس في أراس (2023).
يضاف إلى ذلك الإرهاب اليميني المتطرف والعنصري الذي يسجل قفزة مقلقة تمثلت في الاعتداء الحالي باليڤلين، إلى جانب اعتداءات سابقة استهدفت مراكز ثقافية، أو أفراداً بدافع عرقهم، أو خلفيتهم المهاجرة، وسط تحذيرات أمنية متكررة من تنامي خلايا اليمين المتطرف المسلح في البلاد.




