شؤون عربية ودولية

بيع المستثمرين سندات الحكومات الكبرى.. «تمرد دائنين» أم إعادة تسعير؟ : CNN الاقتصادية



أصبحت الحكومات الكبرى غير قادرة على الاقتراض طويل الأجل بالشروط الميسرة التي اعتادتها بعد الأزمة المالية العالمية، فمن واشنطن إلى طوكيو ولندن وبرلين، يطالب المستثمرون بعائد أعلى مقابل تمويل دول تتضخم مديونياتها، بينما يعيد النفط إشعال التضخم وتنافس شركات الذكاء الاصطناعي الحكومات على السيولة المتاحة.

هذا التحول، الذي يمكن وصفه بـ«تمرد الدائنين»، لا يعني إضراباً منسقاً عن شراء السندات، بل إعادة تسعير جماعية للمخاطر؛ فالمستثمرون لا يتخلون عن الدين السيادي بالكامل، لكنهم يرفضون الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل من دون تعويض أكبر عن التضخم والعجز المالي وكثافة الإصدارات المقبلة.

موجة بيع عابرة للحدود

ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً يوم الثلاثاء إلى نحو 5.33%، مسجلاً أعلى مستوى منذ 2007، بعدما كان دون 5% في مطلع يوليو تموز 2026، كما صعد عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.74%، مقترباً من مستوى 5% الذي قد يتحول إلى اختبار حاسم للأسواق.

وامتدت الموجة إلى أوروبا، حيث بلغ عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً 3.78%، وهو الأعلى منذ أزمة منطقة اليورو في 2011، بينما وصل العائد الفرنسي المماثل إلى 4.9%، الأعلى منذ 2008.

واقترب عائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً، عند 5.86%، من أعلى مستوياته منذ 1998، بحسب فايننشال تايمز.

وفي اليابان، لامس عائد السندات لأجل 10 سنوات 2.945%، وهو أعلى مستوى منذ 1996، بينما تجاوز عائد الثلاثين عاماً 4.1%.

وبحسب خبراء أسواق المال تعكس القفزة توقعات بأن يرفع بنك اليابان الفائدة في وقت مبكر من سبتمبر أيلول، بالتزامن مع تصاعد ضغوط الأسعار.

النفط يعيد كتابة توقعات التضخم

جاءت الشرارة الأخيرة من سوق الطاقة؛ فقد ارتفع النفط بنحو 50% منذ بداية العام، وتجاوز خام برنت 90 دولاراً للبرميل مع تعثر آمال التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران.

وتخشى الأسواق أن تتحول الصدمة النفطية إلى تضخم أوسع عبر تكاليف النقل والكهرباء والتصنيع والغذاء، وإذا بقي التضخم مرتفعاً، ستضطر البنوك المركزية إلى إبقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول، ما يقلل جاذبية السندات الحالية ذات العوائد الأقل ويدفع أسعارها إلى الهبوط.

ويرى خبراء استطلعت رويترز آراءهم أن النفط ليس سوى جزء من القصة؛ فقد انتقلت الأسواق من حقبة اتسمت بتضخم وفائدة منخفضين إلى بيئة تزداد فيها صعوبة التنبؤ بالأسعار والسياسة النقدية، بالتزامن مع مستويات قياسية من الدين الحكومي في الولايات المتحدة واليابان وفرنسا وبريطانيا.

الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي تتنافس على الأموال

تقترب الديون الأميركية من 40 تريليون دولار، وسط مخاوف من اتساع العجز واضطرار الحكومة إلى زيادة الإنفاق لحماية المستهلكين والشركات من ارتفاع الطاقة.

وعندما تطرح الخزانة كميات متزايدة من السندات، يحتاج السوق إلى عوائد أعلى لاستيعاب المعروض.

وفي الوقت نفسه، دخلت شركات التكنولوجيا العملاقة المنافسة على رأس المال لتمويل مراكز البيانات والرقائق وشبكات الكهرباء.

وأصدرت شركات أميركية فائقة الحجم، من بينها ألفابت المالكة لمحرك البحث الشهير غوغل وأمازون وميتا، سندات بنحو 220 مليار دولار منذ بداية 2026، أي أكثر من ضعف إصداراتها خلال 2025 بأكمله، وفق رويترز.

ويتوقع بنك باركليز وصول إجمالي إصدارات السندات الأميركية ذات التصنيف الاستثماري إلى مستوى قياسي يبلغ 1.9 تريليون دولار هذا العام، مقابل 1.44 تريليون دولار في 2025.

ويتركز جانب من اقتراض الذكاء الاصطناعي في الآجال الطويلة، وهي المنطقة نفسها التي تعتمد عليها الحكومات، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعلاوة أكبر لامتصاص المعروض.

المشتري الأجنبي لم يعد مضموناً

تتغير أيضاً قاعدة مشتري سندات الخزانة؛ فقد انخفضت الحيازات الأجنبية في يونيو حزيران إلى 9.299 تريليون دولار، من 9.371 تريليون دولار في مايو، بقيادة اليابان وبريطانيا والصين.

وتراجعت حيازة اليابان، أكبر دائن أجنبي للولايات المتحدة، إلى 1.117 تريليون دولار.

ومع ارتفاع العوائد داخل اليابان، أصبحت السندات المحلية أكثر جاذبية للمؤسسات اليابانية، ما يعني أن واشنطن لم تعد قادرة على افتراض أن المدخرات الأجنبية ستستوعب إصداراتها الجديدة بالعوائد القديمة، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأميركية.

من السندات إلى الرهن العقاري

يرى خبراء أسواق المال أن خطورة «تمرد الدائنين» تكمن في أن العوائد السيادية تمثل السعر المرجعي لمعظم الائتمان؛ فارتفاع عائد الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات ينتقل إلى فوائد الرهن العقاري، فيضعف القدرة على شراء المنازل ويضغط على الأسعار والإنشاءات.

أما الشركات، فستواجه تكلفة أعلى عند إصدار سندات جديدة أو إعادة تمويل ديون مستحقة، وقد تتسع فروق العائد بصورة أكبر للشركات الأضعف، ما يؤجل الاستثمارات ويزيد احتمالات التعثر.

وتواجه الحكومات الأثر نفسه ولكن تدريجياً؛ فمع استبدال الديون القديمة منخفضة الفائدة بسندات جديدة أعلى تكلفة، ترتفع فاتورة خدمة الدين وتلتهم حصة أكبر من الموازنات، ما يفرض تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب أو الاقتراض مجدداً.

ويقول خبراء أسواق المال إن لا تبدو موجة البيع مجرد اضطراب عابر، بل إنها رسالة من الدائنين بأن وفرة رأس المال لم تعد مجانية، وأن الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي والأسر باتت تتنافس جميعاً على الأموال نفسها—بسعر يتصاعد سريعاً.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى