تجربة سريرية تقدم أملاً في العلاج غير الجراحي لسرطان المستقيم


أظهرت دراسة سريرية واسعة النطاق أن مرضى سرطان المستقيم قد يتمكنون من تجنب الجراحة الكبرى والحاجة إلى كيس فغر القولون.
قادت هذه الدراسة الدولية جامعتي ليدز وبرمنغهام، حيث عولج مرضى سرطان المستقيم في مراحله المبكرة بمزيج من العلاج الكيميائي والإشعاعي بدلاً من الجراحة.
وذكرت النتائج، المنشورة في مجلة «لانسيت» للأورام والممولة من قِبل مؤسسة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة، أن النتائج الأولية تشير إلى أن العلاج الذي يحافظ على العضو قد يكون خياراً واقعياً للكثير من مرضى سرطان المستقيم في مراحله المبكرة.
وقالت مؤسسة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة إن هذه النتائج قد تُغير حياة آلاف المرضى، وفقا لما ذكرته شبكة «بي.بي.سي» البريطانية.
ويُعالج مرضى سرطان المستقيم عادةً بإجراء جراحي معقد يُسمى استئصال المساريق الكلي (TME)، والذي يتضمن الاستئصال الكامل للمستقيم والدهون المحيطة به والغدد الليمفاوية.
يتميز هذا العلاج بنسبة شفاء عالية، ولكنه قد يُسبب آثاراً جانبية كبيرة، وقد يتطلب استخدام كيس فغر القولون مؤقتاً أو دائماً.
أهداف التجربة السريرية
وهدفت التجربة السريرية، التي تحمل اسم STAR-TREC، إلى معرفة ما إذا كانت العلاجات التي تحافظ على الأعضاء – كالعلاج الإشعاعي والكيميائي – تُساعد المرضى على تجنب الجراحة مع الحفاظ على السيطرة على السرطان.
وتم تشخيص إصابة هيو تشاون، البالغ من العمر 65 عاماً، من هاروغيت، بسرطان المستقيم في مركز ليدز للسرطان بعد أن راجع طبيبه العام إثر معاناته من نزيف متقطع لأشهر عدة.
يقول: «تلقيت التشخيص، وكان الأمر مفاجئاً تماماً. شعرت بالصدمة، لكنني تقبلت الأمر. كنت أعلم أن القلق لن يفيد؛ لذا ركزت فقط على الاستمتاع بحياتي».
وأضاف أن طبيبته الاستشارية أخبرته عن التجربة السريرية بعد أسبوعين: «شرحت لي أن العلاج المعتاد هو الجراحة، وأنه من المرجح جداً أن أحتاج إلى كيس فغر القولون بشكل دائم». وأوضح أنها أخبرته أنها «تعتقد أن لديه فرصة جيدة للنجاح في التجربة، وأن قرار المشاركة «لم يكن صعباً».
وأشار هيو إلى أن «أسوأ الاحتمالات» هو عدم نجاح العلاج، وأنه سيظل في حاجة إلى الجراحة.
وتضمن علاجه تناول أقراص مرتين يومياً، وتلقي جلسة علاج إشعاعي واحدة يومياً، خمسة أيام في الأسبوع لمدة خمسة أسابيع.
«خلال الأسبوعين الأولين، كانت الآثار الجانبية طفيفة، ولكن بحلول منتصف الأسبوع الثالث، بدأت أشعر بالإرهاق والتعب، وتفاقم هذا الشعور مع استمرار العلاج»، وأضاف: «كما استمر التعب في التفاقم لأسابيع عدة بعد توقف العلاج».
قال إن الآثار الجانبية استغرقت نحو ستة أشهر لتزول تماماً، لكن تأثيرها كان ضئيلاً مقارنةً بالجراحة الكبرى وتركيب كيس فغر القولون الدائم.
«أخبرني الطبيب الاستشاري أن النتيجة كانت ممتازة وأن السرطان قد اختفى؛ ولكن نظراً لأن ذلك كان جزءاً من التجربة السريرية، فقد خضعت لتنظير قولون آخر بعد 16 أسبوعاً، وكانت النتائج سليمة».
قال إنه بعد ذلك انتقل إلى الفحوص الدورية الخاصة بالتجربة، ثم إلى فحوص السرطان القياسية التي تُجريها هيئة الخدمات الصحية الوطنية لمدة أسبوعين إضافيين.
وأضاف: «كان آخر فحص لي في مايو (أيار) من هذا العام، وكانت النتائج جيدة».
توفيت زوجة هيو الأولى بسرطان الأمعاء عن عمر يناهز 41 عاماً، وقد ساندته ابنته راشيل خلال فترة علاجه.
وتقول ابنته: «كنتُ في التاسعة من عمري عندما توفيت والدتي بسرطان الأمعاء، لكن النتائج اليوم مختلفة تماماً».
وأضافت: «شعرتُ بالامتنان لأن عملي في مجال رعاية مرضى السرطان وأبحاثه ساعدني على فهم الخيارات المتاحة لوالدي، ومعناها. عندما سمعتُ عن التجربة السريرية، شعرتُ بقوة أنها الخيار الأمثل له».
وتمت مشاركة أكثر من 400 مريض في مراكز علاج السرطان في جميع أنحاء أوروبا في التجربة، التي قادها كل من البروفسور ديفيد سيباغ-مونتيفيوري في ليدز والبروفسور سيمون باخ في جامعة لندن، ونسقتها جامعة برمنغهام.
وقال البروفسور سيباغ-مونتيفيوري إن «النتائج المبهرة» تُعدّ مثالاً على كيف يمكن لعلاج إشعاعي أكثر ذكاءً وأقل ضرراً أن يُجنّب المرضى الحاجة إلى جراحة كبرى.
وأضاف: «من دواعي سروري أن المرضى عانوا من مستوى منخفض نسبياً من الآثار الجانبية الحادة قصيرة المدى نتيجةً لنهج العلاج الإشعاعي الأصغر حجماً والأكثر دقة الذي طورناه خصيصاً لتجربة STAR-TREC».
وقال البروفسور باخ من جامعة لندن: «لعقود طويلة» طُلب من المرضى قبول فقدان المستقيم «ثمناً لعلاج السرطان».
وأوضح قائلاً: «ما تُشير إليه هذه النتائج هو أنه بالنسبة للكثيرين، لم يعد هذا الثمن ضرورياً».
نتائج
خضع المرضى الذين لم يُستأصل السرطان لديهم تماماً خلال فترة التجربة لعملية جراحية لإزالة المناطق المتبقية المصابة بالسرطان.
أظهرت النتائج أنه لمدة تصل إلى 12 شهراً، تجنّب أربعة من كل خمسة مرضى عولجوا بالعلاج الكيميائي والإشعاعي الخضوع لجراحة كبرى، مقارنةً بثلاثة من كل خمسة عولجوا بالعلاج الإشعاعي فقط.
تمت متابعة حالة المرضى لمدة 30 شهراً. ولا تزال هذه النتائج قيد التحليل، ومن المتوقع نشر النتائج طويلة الأجل في عام 2027.
وقالت ميشيل ميتشل، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة: «قد يُحدِث هذا الإنجاز نقلة نوعية في حياة آلاف الأشخاص».
وأضافت أنه بفضل فحص الأمعاء، يتم اكتشاف المزيد من حالات سرطان المستقيم في مراحل مبكرة «حيث تزداد فرص نجاة المرضى من المرض».
«لكن هذا لم يُسهّل العلاج؛ إذ لا يزال كثير من المرضى يعانون آثاراً جانبية بالغة الصعوبة، وغالباً ما تُغيّر مجرى حياتهم».




