فن

«تفجير بان آم 103»… تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة


من البديهيّ أن يتصدّر «تفجير بان آم 103» قائمة المسلسلات الأكثر مُشاهدةً على «نتفليكس». الكوارث الجوية وحوادث الطيران، على تراجيديّتها، هي صنفٌ تلفزيونيّ مرغوب من جمهور المنصّات. لكن مَن يدخل هذه الدراما الوثائقيّة متوقعاً أن يُشاهد التفجير الذي تعرّضت له الطائرة المدنيّة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية، سوف يخرج خالي الوفاض.

ورغم هول الكارثة التي أودت بحياة 270 شخصاً مساء 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988، اختار الكاتب البريطاني جوناثان لي ألّا يُظهر التفجير ولا اللحظات الأخيرة للركّاب على متن الطائرة. متجنّباً الإثارة البصريّة الدمويّة، استعاض عن ذلك بمَشاهد ليست أقلّ تأثيراً؛ لا بل إنها أكثر رمزيّة.

لا يظهر العمل الدرامي اللحظات الأخيرة للركّاب على متن الطائرة (نتفليكس)

وفق المعطيات التاريخية، انفجرت طائرة «بان آم» في الجوّ بعد إقلاعها من مطار هيثرو في لندن متّجهةً إلى نيويورك. تناثرت لهيباً وحطاماً وجثثاً فوق قرية لوكربي الهادئة في اسكوتلندا، حيث كان السكّان يضعون اللمسات الأخيرة على تحضيرات عيدَي الميلاد ورأس السنة.

يصوّر المسلسل الكارثة على الأرض وليس في الجوّ، من خلال البيوت المحترقة ومحاولات إنقاذ مَن فيها؛ مع العلم بأنّ 11 شخصاً من ضحايا لوكربي الـ270 من سكّان القرية، الذين قضوا احتراقاً بسبب الحطام المشتعل. لا ينتقص هذا الخيار الإخراجيّ من حجم المأساة. يكفي تصوير ضحية مربوطة بكرسيّ الطائرة بحزام الأمان وسط حقلٍ سقطت فيه، أو المرور بالكاميرا الجويّة فوق حقائب الركّاب المتناثرة، أو الاقتراب بالعدسة من دميةٍ فقدت صاحبتها الصغيرة، أو من هديّةٍ لم تصل إلى مَن أُعدّت له، كي تكتمل عناصر التراجيديا.

قد يطرح الجمهور سؤالاً، وهو مشروع، عن توقيت عرض هذه الدراما الوثائقية بعد 38 سنة على الكارثة، و25 سنة على صدور الحُكم بحقّ المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي، المتهم الوحيد بتفجير الطائرة.

ومن المرجّح أن يكون قد اختير هذا التوقيت عشية محاكمة أبو عقيلة مسعود في 25 أغسطس (آب) الحالي بواشنطن. ومسعود مواطن ليبي ثانٍ متّهم بالتواطؤ مع المقرحي وببناء العبوة المتفجّرة، التي وُضعت داخل جهاز راديو في إحدى الحقائب المسافرة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن.

المتهم الرئيسي في تفجير الطائرة المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي (أرشيف – أ.ف.ب)

إلّا أنّ الكاتب جوناثان لي، ومعه «بي بي سي» التي أنتجت الحلقات الـ6 وعرضتها قبل سنة من «نتفليكس»، لم يضعا على الأرجح تلك المواعيد القضائية في الحسبان؛ فمن الواضح أن السلسلة تهدف قبل أي شيء، إلى توجيه تحيّة إنسانية لكل من اعتنى بالقضيّة وبالضحايا وبذويهم. وليس أحد أوّل مشاهد الحلقة الأولى سوى تمهيدٍ صغير لِما سيَلي من تفاصيل إنسانية: ترفض امرأةٌ من سكّان لوكربي أن تترك الجثّة المربوطة بكرسيّ الطائرة والتي سقطت في مزرعتها، وحيدةً ليلاً. «سأسهر عليها كما لو كانت أحد أقربائي إلى حين وصول الإسعاف»، تقول المرأة للمحقّق.

يدور جزء لا بأس به من المسلسل حول مجموعة من الشخصيات التي أضفت لمسةً إنسانية وعاطفية، محاولةً التخفيف من حجم المأساة. في طليعة هؤلاء، نساء قرية لوكربي اللاتي تطوّعن لتحضير الطعام للمنكوبين وفِرَق الإنقاذ، ثم تفرّغن لجمع أغراض الضحايا وغسلها من الدم والرماد وتوضيبها، بهدف إرسالها إلى ذويهم في الولايات المتحدة وحول العالم. من بين الحكايات المؤثرة كذلك، العلاقة التي تنشأ بين المراهق ستيفن فلانيغان المعروف بـ«يتيم لوكربي»، والمحقق إد ماكاسكر. أما على المقلب الآخر من الكوكب، في أميركا حيث العدد الأكبر من الضحايا، فتبرز شخصية كاثرين تورمان، موظفة الـ«FBI» التي تجنّدت في خدمة أهالي الضحايا.

يضيء المسلسل على الجانب الإنساني من الكارثة وجهود المتطوّعين من أهالي لوكربي (نتفليكس)

ورغم تلك الإضاءات الإنسانية الكثيفة، فإنّ المسلسل لا يغرق في العواطف متناسياً الوقائع. الحلقات الـ6 مخلصةٌ للتفاصيل الحقيقيّة إلى درجة الرتابة أحياناً، ما قد ينعكس مللاً على المُشاهدين. يُعيد العمل الدرامي التوثيقي بناءَ القصة بحذافيرها التقنية، والقانونية، والقضائية، مستعيناً بمَشاهد حقيقية من الأرشيف التلفزيوني. يُجيد التوازن بين الدراما والتوثيق، وبين المشاعر والمنطق، وبين الضمير الإنساني والواجب المهني.

لا بدّ من الثناء على التمثيل المحترف والإخراج المتقن واللغة التصويريّة الجذّابة، لا سيّما في استعادة حقبة الثمانينات من خلال الملابس والديكور والأداء. لكنّ المبالغة في الحَرْفيّة تسلبُ الكثير من تلك الحِرَفيّة. يستفيض المسلسل في تصوير المنافسة ما بين أجهزة التحقيق الاسكوتلندية والبريطانية والأميركية على اكتشاف هوية المرتكب. كما يدخل في تفاصيل العلاقة الشائكة بين جهازَي الـ«FBI» والـ«»CIA. ثم يشرّح كل الفرضيّات الإرهابيّة التي رافقت التحقيق، بما فيها تلك التي كانت خاطئة.

يستفيض المسلسل في الصراع بين الأجهزة الأمنية على التحقيق في القضية (نتفليكس)

في الحلقة الـ3، تدخل على خطّ الشبهات فرضيّة أن يكون قد حصل التفجير عبر جهاز راديو وُضع في إحدى الحقائب، وهنا يتصاعد التشويق. ومن الوجوه التي تخدم المسلسل تشويقياً وإنسانياً كذلك، المحققان الاسكوتلندي إد ماك كاسكر (الممثل كونور سويندلز) والأميركي ديك ماركيز (باتريك آدامز). لكنّ الخيوط الحقيقية لا تبدأ بالظهور سوى في منتصف الحلقة الـ5، عندما يتّضح ضلوع جهاز المخابرات الليبية السابق بتفجير الطائرة.

غير أنّ المسلسل يعود للغرق في الرتابة والتفاصيل، جاعلاً مهمة التركيز صعبةً على المُشاهد، خصوصاً وسط الأحداث المبعثرة ما بين اسكوتلندا وواشنطن وألمانيا وسويسرا ومالطا وهولندا، حيث مقرّ المحكمة التي تولّت استجواب المتّهمين. لكنّ القضية الشائكة أصلاً والتي لم يُغلق التحقيق فيها نهائياً حتى الآن، هي التي فرضت هذه الحبكة المعقّدة.

يضفي المحققون مزيداً من الإنسانية إلى القصة (نتفليكس)

يبقى الأساس في المسلسل تلك التحية التي يوجّهها إلى ضحايا تفجير الطائرة الذين انتُهكت كرامتهم ومشاعر أحبّائهم بسبب بعض الإهمال الرسمي حينذاك. ومن خلال هؤلاء، ينحني «تفجير بان آم 103» أمام أهالي القرية حيث تناثرت الطائرة حطاماً وأشلاءً، مانحاً «لوكربي» صبغةً جديدة، هي الإنسانية بوصفها بديلاً عن النكبة التي ارتبطت باسمِها على مدى عقود.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى