فن

تنسيق مصري – أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان


اتهم رئيس أركان الجيش السوداني، الفريق أول ياسر العطا، إثيوبيا بالسعي إلى استغلال الحرب في بلاده للتوسع داخل الأراضي السودانية والسيطرة على مناطق حدودية، وربط بين اتهامات الخرطوم السابقة لأديس أبابا بدعم «قوات الدعم السريع» وبين ما وصفه بمخطط إثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر.

جاءت اتهامات العطا بالتزامن مع تعرّض مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق المحاذي لإثيوبيا، لهجوم ليلي بطائرات مسيّرة نسبته السلطات المحلية إلى «الدعم السريع»، وسط تصاعد المواجهات العسكرية في قيسان والكرمك والمناطق القريبة من الحدود الإثيوبية.

وقال العطا في مقابلة مع صحيفة «الشروق» المصرية، الأحد، إن إثيوبيا تسعى، مستغلةً ظروف الحرب، إلى السيطرة على أراضٍ ومناطق سودانية، وذكر من بينها الفشقة وجبل حلاوة وقيسان والكرمك والدمازين، متهماً أديس أبابا بدعم «الدعم السريع» والسماح باستخدام أراضيها في عمليات مرتبطة بالحرب.

رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا مخاطباً قيادات عسكرية سودانية (سونا)

وحذّر من أن السيطرة على الفشقة والدمازين قد تكون، حسب قوله، جزءاً من مخطط إثيوبي أوسع للوصول إلى البحر الأحمر، مؤكداً أن الخرطوم لن تسمح بتنفيذه.

تأتي تصريحات المسؤول السوداني في وقت تكثّف فيه إثيوبيا تحركاتها السياسية والدبلوماسية للحصول على منفذ بحري، بعدما ظلت دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993.

وجدد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في فبراير (شباط) الماضي، أمام البرلمان، تمسك بلاده بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وقال إن إثيوبيا، التي يقدّر عدد سكانها بنحو 130 مليون نسمة، تطالب بنحو 50 كيلومتراً من الساحل، واعتبر الوصول إلى البحر مسألة مرتبطة بالعدالة والحقوق التاريخية والجغرافية والاقتصادية لبلاده.

وشدد آبي أحمد في الوقت نفسه على أن إثيوبيا تسعى لتحقيق ذلك عبر الحوار والتفاوض والاتفاق مع دول المنطقة وليس باستخدام القوة. كما طرحت أديس أبابا خلال الفترة الماضية صيغاً تشمل الاستثمار المشترك والمقايضة الاقتصادية والترتيبات المتعلقة بالموانئ.

وتصاعد الجدل الإقليمي بشأن هذه المساعي خلال الأيام الماضية، بعدما أعلن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا دعم بلاده لجهود أديس أبابا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وهو موقف أثار ردود فعل واهتماماً إقليمياً بالملف.

عناصر من الجيش السوداني في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

واتهم العطا إثيوبيا كذلك بالسماح بإطلاق طائرات مسيّرة من مطارات داخل أراضيها باتجاه السودان، وقال إن لدى الخرطوم صور أقمار اصطناعية ومعلومات استخباراتية تثبت ذلك، إلى جانب أدلة قال إنها استُخلصت من فحص طائرات مسيّرة أسقطها الجيش. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الأدلة التي تحدث عنها العطا، علماً أن إثيوبيا سبق أن نفت اتهامات سودانية بدعم «الدعم السريع».

وتزامنت التصريحات مع هجوم بطائرات مسيّرة استهدف الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق خلال الساعات الأولى من يوم الاثنين. وقالت حكومة إقليم النيل الأزرق إن دفاعات الجيش تصدت للمسيّرات، من دون الإعلان عن وقوع خسائر، فيما أفاد شهود بسماع أصوات المضادات الأرضية وانفجارات، وقال أحدهم إن مسيّرة سقطت قرب مطار المدينة، ونشرت منصات تواصل صوراً لحرائق زعمت أنها في الدمازين.

تأتي التطورات وسط تصاعد القتال في إقليم النيل الأزرق، حيث يواجه الجيش السوداني «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال»، بقيادة عبد العزيز الحلو، وقوات الحليف السابق لـ«قوات الدعم السريع» عبد الرحمن البيشي، الذي قُتل في أثناء الحرب، وجميعها تخوض الحرب ضمن تحالف «تأسيس» الذي تقوده «الدعم السريع».

وتركزت المواجهات خلال الفترة الأخيرة في قيسان والكرمك والمناطق القريبة من الحدود الإثيوبية، فيما دفع الجيش بتعزيزات إضافية إلى الإقليم في محاولة لوقف تقدم خصومه وتأمين الدمازين واستعادة المناطق التي خسرها.

وخلال اليومين الماضيين، شهدت منطقة «جبل كدم»، شرق الكرمك وقرب الحدود الإثيوبية، معارك عنيفة أعلن الجيش بعدها صد هجوم لقوات خصومه والاستيلاء على 17 مركبة قتالية وتدمير خمس أخرى. كما أعلن إسقاط مسيّرة قال إنها دخلت المنطقة من اتجاه الحدود الإثيوبية.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال مشاركته في قمة بريكس بالهند يوم 12 سبتمبر 2026 (سبوتنيك – أ.ب)

ولم تبدأ الاتهامات السودانية لإثيوبيا مع تصريحات العطا الأخيرة، إذ سبق أن اتهمت الخرطوم أديس أبابا بتقديم تسهيلات عسكرية ولوجستية لـ«الدعم السريع» والسماح باستخدام أراضيها في نقل مقاتلين ومعدات وعمليات بالطائرات المسيّرة.

وتعززت هذه الاتهامات بعدما كشف تحقيق لوكالة «رويترز»، في فبراير (شباط) الماضي، استناداً إلى ثمانية مصادر وصور أقمار اصطناعية، عن إنشاء معسكر في إقليم بني شنقول – قُمز الإثيوبي لتدريب آلاف المقاتلين لصالح «الدعم السريع»، إلى جانب أنشطة مرتبطة بالطائرات المسيّرة في مطار «أصوصا»، ونفت إثيوبيا تقديم أي دعم لأحد طرفي الحرب السودانية.

وفي المقابل، تتهم أديس أبابا السودان بدعم وتسليح جماعات إثيوبية معارضة، خصوصاً قوى من إقليم تيغراي، وتقول إن وجودها داخل الأراضي السودانية يمثل تهديداً لأمنها.

وتشير تقارير بحثية مستقلة إلى مشاركة مقاتلين تيغراي في الحرب السودانية إلى جانب الجيش، ضمن تشكيل مسلح يعرف باسم «الجيش 70»، وقالت «مجموعة الأزمات الدولية» إن عدة آلاف من عناصر هذا الجيش الذين فروا إلى السودان خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قاتلوا إلى جانب القوات المسلحة السودانية ضد «الدعم السريع»، وإن عناصر من المجموعة ظلت موجودة في شرق السودان.

كما ذكرت المؤسسة الألمانية للشؤون الدولية والأمنية أن التشكيل المرتبط بقوات تيغراي تدخّل في الحرب السودانية إلى جانب الجيش، وأن وجود مقاتليه داخل السودان يمثّل أحد مصادر القلق الأمني لأديس أبابا.

وتعيد اتهامات العطا منطقة «الفشقة» إلى قلب التوتر بين السودان وإثيوبيا، وهي منطقة زراعية خصبة سودانية، لكنها ظلت لعقود موضع نزاع بسبب وجود مزارعين إثيوبيين فيها والخلاف بشأن تثبيت العلامات الحدودية.

وتصاعد النزاع أواخر عام 2020، عندما أعاد الجيش السوداني انتشاره في معظم مناطق الفشقة بالتزامن مع اندلاع حرب تيغراي، وأعقب ذلك عدد من المواجهات المسلحة بين القوات السودانية والإثيوبية.

وتمنح تصريحات العطا الأخيرة النزاع بعداً جديداً، إذ انتقلت الاتهامات السودانية من الحديث عن تقديم إثيوبيا دعماً عسكرياً ولوجستياً لـ«الدعم السريع» إلى اتهامها بالسعي للاستفادة من الحرب لإعادة رسم موازين السيطرة على الحدود وتحقيق مصالح جيوسياسية مرتبطة بالبحر الأحمر.

يأتي ذلك فيما تؤكد أديس أبابا بصورة متزايدة أن حصولها على منفذ بحري يمثل هدفاً استراتيجياً، مع تشديدها على أنها تسعى لتحقيقه بالوسائل السلمية والتفاوض مع دول المنطقة.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى