عودة الدولة إلى الجنوب اللبناني تتجاوز الانتشار الأمني… اختبار الخدمات والتعافي

تتقدم «عودة الدولة» إلى جنوب لبنان بوصفها عنواناً يتجاوز الانتشار الأمني والعسكري إلى استعادة حضور المؤسسات والخدمات، في مسار بدأت ملامحه تظهر عبر برامج للتعافي وإعادة تشغيل المدارس ودعم المزارعين ومساعدة العائلات المتضررة، لكنه لا يزال يصطدم بفجوة كبيرة بين حجم الأضرار والتمويل المتاح.
ومع عودة هذا العنوان إلى الخطاب الرسمي خلال التحركات الحكومية في الجنوب، تظهر الأرقام أن تثبيت السكان في بلداتهم وإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة يشكّلان الوجه الآخر لحضور الدولة، في ظل أضرار واسعة طالت البنى التحتية والزراعة والتعليم، وأبقت آلاف الأسر بحاجة إلى دعم مباشر.
إطار للعودة… وتمويل غير مكتمل
وأطلقت الحكومة خلال 2026 «الإطار الوطني للعودة والتعافي المبكر واستعادة الخدمات الأساسية»، الذي يشمل عودة السكان والحماية الاجتماعية واستعادة الخدمات وسبل العيش والتحضير لإعادة الإعمار، من دون الإعلان حتى الآن عن موازنة موحّدة له.
ويشكّل «مشروع المساعدة الطارئة للبنان» (LEAP)، الذي ينفّذه مجلس الإنماء والإعمار، واحداً من أدوات تمويل هذا المسار. وصُمّم المشروع ضمن إطار قابل للتوسع إلى مليار دولار، فيما أُمّن حتى الآن 250 مليون دولار فقط، مقابل فجوة تمويل تبلغ 750 مليوناً.
ويتوزع التمويل المتاح على 50 مليون دولار للاستجابة الفورية، بما يشمل إدارة الركام وتأمين الأبنية وفتح الطرق، و175 مليوناً لاستعادة خدمات المياه والطاقة والنقل والصحة والتعليم، و15 مليوناً للدراسات والتصاميم، و10 ملايين لإدارة المشروع، فيما تبلغ الأموال المخصصة لإعادة الإعمار ضمن الإطار الكامل 455 مليون دولار، ولا يزال الجزء الأكبر منها غير مُموَّل.
وفي مسار موازٍ، أطلقت الحكومة في مايو (أيار) برنامجاً بنحو 32 مليون يورو للجنوب والبقاع يمتد حتى 2029، بتمويل 24.8 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، و5.35 مليون من الدنمارك، ومليوني يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، ويستهدف دعم السلطات المحلية والمؤسسات الصغيرة والقطاع الزراعي وخلق فرص العمل.
وتقول مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن «الإطار الجديد للاستجابة يشكّل أساساً لجذب التمويل، لكنه لا يزال غير مموَّل بالكامل»، موضحة أن «وزارة الشؤون الاجتماعية تواصل العمل بشكل مكثف على تأمين تمويل إضافي للمساعدة في الاستجابة للفئات المتضررة».
شبكة أمان لأكثر من مليون شخص
وتشكّل الحماية الاجتماعية أحد أبرز مسارات تثبيت السكان ومواكبة العودة. وتقول المصادر إن «أحد أبرز مسارات الاستجابة يتمثّل في المساعدات النقدية التي تقدّمها وزارة الشؤون الاجتماعية، التي تُغطّي نحو 230 ألف عائلة ضمن شبكة الأمان الاجتماعي المستجيبة للصدمات التابعة للوزارة»، بما يعني استفادة أكثر من مليون شخص عند احتساب متوسط عدد أفراد الأسرة.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في المناطق التي لا تزال فيها العودة مرتبطة بإمكان ترميم المنازل واستعادة الخدمات وفرص العمل، بما يجعل الدعم الاجتماعي جزءاً من عملية إعادة تثبيت السكان وليس مجرد استجابة طارئة.

الزراعة… إعادة المُزارع إلى أرضه
في القطاع الزراعي، حدّدت وزارة الزراعة خطة استجابتها بخمسة محاور هي: الدعم الطارئ للمزارعين، وحماية سلاسل توريد وإمداد الغذاء والأسواق، وحماية الإنتاج الحيواني والأصول، واستمرارية البرامج والخدمات، والتنسيق وتقييم الاحتياجات. وتشمل الإجراءات مراقبة سلاسل الإمداد الغذائي، وتسريع استيراد المنتجات النباتية وتمديد مهل استيراد بعض المنتجات الأساسية، ومراقبة الأسواق والأسعار بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد، وتأمين مساعدات طارئة للمزارعين في المناطق الخطرة، وتكثيف العمل في المرافئ والمعابر ومراكز الحجر والمختبرات لتسريع دخول البضائع.
أما تمويل الاستجابة فلا يحدد التقرير موازنة إجمالية للخطة، بل يشير إلى تنسيق الوزارة مع الشركاء والمانحين لتحديد إمكانات وأولويات التدخل وتأمين الموارد. ووفق الموارد التي أبلغت عنها شبكة شركاء الزراعة في الوزارة التي يجري العمل على تأمينها، تبلغ المساعدات النقدية 1,650,150 دولاراً، وتستهدف 4,840 مزارعاً، فيما تستهدف المساعدات العينية 1,850 مزارعاً، وتشمل مجموعات مضخات شمسية للري ومدخلات زراعية وأعلافاً ومعالجة وبنى تحتية. كما أطلقت الوزارة، بالتعاون مع قطاع الأمن الغذائي، منصة للشركاء لتحديد الموارد المتوافرة ومتابعتها.

المدارس أمام اختبار سبتمبر
ويبرز التعليم بوصفه أحد أكثر الاختبارات المباشرة لقدرة المؤسسات الرسمية على العودة إلى العمل في الجنوب والنبطية.
وتقول مصادر وزارة التربية والتعليم العالي لـ«الشرق الأوسط» إن الوزارة تستهدف بدء العام الدراسي 2026-2027 حضورياً، بدءاً من 15 سبتمبر (أيلول) في المدارس التي تستوفي شروط السلامة والجاهزية، فيما تعتمد المدارس الواقعة ضمن المناطق المتأثرة في الجنوب والنبطية التعليم عن بُعد بصورة انتقالية إلى حين استكمال التقييمَيْن الفني والتشغيلي.
وكشفت المصادر عن أنه في ظل أضرار طالت 198 مدرسة من أصل 267 في محافظتي الجنوب والنبطية، بينها 89 مدرسة بأضرار طفيفة جداً، و64 بأضرار متوسطة، و15 بأضرار جسيمة، فيما دمرت 30 مدرسة بالكامل.
وتعتمد الوزارة «التجمع المدرسي» أساساً للتخطيط، بحيث يضم كل تجمع المدارس والمساحات التعليمية البديلة ضمن نطاق جغرافي واحد، مع ملف يتضمّن أعداد التلامذة والمعلمين وحالة الأبنية والطاقة الاستيعابية وأماكن وجود التلامذة النازحين.
ويبقى التلميذ مسجلاً في مدرسته الأم إذا تعذّر تشغيلها، ويتابع تعليمه مؤقتاً في مدرسة مستقبلة أو مساحة بديلة، فيما تخضع المدارس المستخدمة للإيواء لشروط تضمن الفصل الآمن بين الوظيفتَين.
وتُنشئ الوزارة بالتوازي قاعدة بيانات تشغيلية لمتابعة أوضاع المدارس والتلامذة، بالإضافة إلى خط ساخن، على أن يصدر قرار تشغيلي رسمي لكل مدرسة يحدد آلية استئناف التعليم فيها.
وتلفت إلى أن الوزارة عزّزت في إطار خطتها فكرة «Teaching Hubs»، أي مراكز التعليم والتعلُّم، بما يعيد تفعيل دور المعلمين في المناطق، ويتيح في الوقت نفسه إنشاء مراكز لدعم الطلاب ومساعدتهم على مواصلة تعليمهم.
وتوضح المصادر أن «الهدف لا يقتصر على إعادة تأهيل الأبنية المدرسية المتضررة، بل يشمل الحفاظ على المدرسة بوصفها كياناً قائماً حتى وإن دُمّر مبناها، من خلال استمرار إدارتها ومعلميها وأساتذتها وتلاميذها، بما يضمن بقاء المدرسة موجودة بهويتها ووظيفتها التربوية إلى حين إعادة تأهيلها أو إعمارها».




