«مجرَّد» أصدقاء… هل الصداقة ممكنة بين الرجال والنساء؟

«لا صداقة ممكنة بين الرجال والنساء. هناك شغف، وعداوة، وعبادة، وحب، ولكن لا وجود للصداقة». هذا الموقف الحاسم والجازم للكاتب أوسكار وايلد عام 1892، ما زال البعض يُعدّه صائباً بعد مرور قرابة قرنٍ ونصف على إطلاقه. ففي استطلاعٍ سريع أجريناه على منصة «إنستغرام» طرحنا فيه سؤال: «هل تؤمنون بالصداقة بين الرجال والنساء؟»، ردّ 73 في المائة إيجاباً، بينما اعتبر الـ27 في المائة المتبقون أنّ الصداقة بين الجنسَين غير موجودة.
صداقة الرجال والنساء… رأي علم النفس
من وجهة نظر علم النفس، فإنّ الصداقة بين الرجال والنساء ممكنة، من دون إلغاء احتمال أن تتحوّل إلى إعجاب وحب، إلا أنّ الأمرَ مشروطٌ بعدد من العوامل. وتلفت المعالجة النفسية الدكتورة ريف رومانوس إلى أنّ الصداقات بين الإناث والذكور التي تبدأ في سنّ صغيرة -في المدرسة مثلاً- وتحافظ على استمراريتها، تشكّل أحد أنجح النماذج «لأنهما يكونان قد اعتادا بعضهما على بعض إلى درجة تخطّي الإعجاب».

وفق حديث رومانوس إلى «الشرق الأوسط»، فإنّ ما يساعد كذلك في إنجاح الصداقة بين الرجال والنساء: «أن يكون كلٌّ من الأنثى والذكَر الصديقَين في علاقة عاطفية سعيدة وناجحة على حِدة في حياته». وتضيف: «أما إذا كانت المرأة أو الرجل في بحثٍ عن شريك حياة، فيصبح من الصعب التمييز ورسم الحدود بين الصداقة وأكثر من ذلك، لا سيما أنّ العلاقة العاطفية هي في الأساس صداقة يُضاف إليها الإعجاب والانجذاب الجسدي والرؤية المشتركة للمستقبل».
هوليوود تميل للصداقة الرومانسية
إذا أردنا تبنّي السرديّات الهوليووديّة -لا سيما تلك الرائجة في التسعينيات، على غرار فيلمَي «عندما التقى هاري بسالي» When Harry Met Sally (1989) و«زواج صديقي المفضّل» My Best Friend’s Wedding (1997)- فإنّ قدَر أي صداقة بين رجل وامرأة أن تنتهي بالارتباط العاطفي.
يقول «هاري» لـ«سالي» في الفيلم: «لا يمكن للرجال والنساء أن يكونوا أصدقاء؛ لأنّ الجانب الجسدي دائماً ما يعيق ذلك». أما جوليا روبرتس فلم تحتمل أن يتزوّج صديقها المفضّل، لتنقلبَ الصداقة بينهما حباً.

من السينما إلى التلفزيون؛ حيث لا تتبدّل السرديّة. في أشهر مسلسلات هوليوود على الإطلاق «Friends»، لم تصمد الصداقة طويلاً بين «روس» و«رايتشل» من جهة، و«مونيكا» و«تشاندلر» من جهة ثانية.
العزوبيّة تسهّل صداقة الرجال والنساء
إذا كانت هوليوود قد عزّزت تلك السرديّة العاطفية لأنها أكثر جاذبية ومبيعاً، فهذا لا يعني بالضرورة أن تتحوّل كل صداقة إلى انجذابٍ عاطفي. فثمّة نماذج صداقات ناجحة طالعة من الحياة اليومية، وهي تلك التي يلتزم فيها الرجل والمرأة بحدودٍ معيّنة، ويتمسّكان بما يكفي من الوعي كي لا تتحوّل الأمور بينهما إلى ما يتجاوز الصداقة أو العلاقة الأشبَه بالأخويّة. ولكن هذا يتطلّب نضجاً كبيراً وتمسّكاً بتلك الصداقة لئلّا تنزلق نحو ما ينهيها.
يجب ألا يقتصر النضج على الصديقَين صاحبَي العلاقة، إنما من المفترض أن ينسحب على شريكَيهما في حال كانا مرتبطَين. لا شيء يهدّد الصداقة كما يفعل طرفٌ ثالث في العلاقة، فدخول حبيبة أو زوجة على الخطّ قد يطيح بالصداقة بين شريكها وأي أنثى ثانية، والحال ذاتُها بالنسبة إلى الإناث. من النادر جداً أن يتقبّل الشريك أن يكون لحبيبته أو زوجته صديقٌ مقرّب تتواصل معه يومياً، وتشاركه أسرارها، وتلتقي به على انفراد.

الذكور أكثر انجذاباً لصديقاتهم
لدى البعض قناعة بأنّ الصداقة بين الجنسَين أنجَح من تلك التي تجمع بين رجلين أو امرأتَين. تشير الدكتورة رومانوس في هذا الإطار إلى أنّ النظريّة ليست صائبة في كل الحالات، ولكن «لا شكّ في أنّ الصداقة بين الجنسَين مختلفة، وتتّسم بالتفهّم والتوازن ما بين منطق الرجل وإحساس المرأة»، شرطَ ألا يتزعزع منطق الذكَر، وألا يتحوّل إحساس الأنثى باتّجاه صديقها.
مَن يفعلها أوّلاً ويطيح بقواعد الصداقة؟ لعلّ الدراسة التي أجرتها جامعة ويسكونسن الأميركية عام 2012 تجيب على السؤال.
خَلُصت تلك الدراسة إلى أنّ البشر قد يظنّون أنهم قادرون على أن يكونوا «مجرّد أصدقاء» مع أفراد الجنس الآخر، ولكن فرصة «الرومانسية» غالباً ما تكون مختبئة في الزاوية، منتظرة الفرصة المؤاتية للانقضاض. فمن هو أول المخالفين؟
تشير النتائج إلى تباين كبير بين الرجال والنساء في النظرة إلى الصداقة بين الجنسَين. فالذكور أكثر انجذاباً لصديقاتهم الإناث، وهم أوّل مَن قد يطيحون بالعلاقة ويأخذونها إلى مكان آخر. وأكثر من ذلك، غالباً ما يميل الرجال إلى الاعتقاد بأنّ صديقاتهم منجذبات إليهم في وقتٍ يكون هذا الاعتقاد خاطئاً.

صداقة الرجال والنساء عبر التاريخ
قبل نهايات القرن التاسع عشر، لم يكن مفهوم الصداقة بين الرجال والنساء موجوداً، لذلك فهي تُعَدّ صداقة حديثة العهد مقارنة بباقي الصداقات. حتى في مجتمعات الغرب، لم تكن العلاقة بين الرجال والنساء غير المرتبطين رسمياً تتجاوز الرسائل المكتوبة المتبادلة.
مع بلوغ الموجة النسويّة الأولى ذروتها عام 1890، تحوّلت الصداقة بين الجنسَين إلى مطلبٍ مجتمعيّ. تبدّلت النظرة إلى المرأة التي باتت محصّنة بالعلم، والاستقلاليّة، والإرادة. صارت الصداقة بينها وبين الرجل تعبيراً عن حرية الاختيار، والمساواة الفكرية والاجتماعية، والاحترام المتبادل.
ثم حلّت الموجة النسويّة الثانية في ستينيات القرن العشرين، مع كل ما حملت من تكريسٍ للمساواة في الحقوق والفُرَص. هيّأت تلك الموجة الظروف لتطبيع الصداقة بين الرجال والنساء، لا سيما أنها تَرافقت ونشوء المدارس المختلطة، واختلاطَ الإناث والذكور في الوظائف وأماكن العمل.

إلا أنّ ما أُنجِز بفَضل تحرُّر المرأة لم يتحوّل إلى قناعة راسخة وشاملة. فحتى اللحظة، وفي زمن المنصّات الرقميّة التي شرّعت الصداقة بين الجنسَين، ما زال كثيرون لا يؤمنون بها؛ بل يتجنّبونها.
ليس الاستطلاع الذي أُجري في الولايات المتحدة الأميركية عام 2017 سوى دليلٍ على هشاشة ذلك المفهوم، حتى في المجتمعات التي توصَف بالعصريّة والمنفتحة. فقد كشف ذلك الاستطلاع أنّ أكثريّة الرجال والنساء ما زالوا يرون أنّ الوجود بمفردهم مع شخص من الجنس الآخر، حتى لو كان زميلاً في العمل: «أمر غير لائق».




