مواجهة العدو من «الشمال الشرقي»… تعهد القائد الجديد لإسرائيل في سوريا

في الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات الإسرائيلية – السورية حول التفاهمات الأمنية، وتتعاظم التساؤلات عما تريده تل أبيب من دمشق، ولماذا تصر على احتلالها الجديد للأراضي، تم تعيين قائد جديد للجيش على المنطقة هو العقيد «ي»، الذي وعد بأن يكمل مسيرة سلفه في تعزيز سيطرته ومواصلة القيام في «مبادرات لمباغتة العدو».
وقد جرى الاحتفال بترسيم القائد الجديد لهذه القوات، بحضور قائد قوات الأمم المتحدة «UNDOF»، الكولونيال آنوب بيكرام رانا، وقائد اللواء الشمالي في الجيش الإسرائيلي، الجنرال رافي مالكا، وتكلم قادة منطقة الجولان الثلاثة، القديم والجديد والقائد الأعلى لهما، عن «مهمات قتالية كبرى تتعلق بالحصانة القومية والدفاع عن المستوطنين وعن كل مواطني إسرائيل»، كما لو أنهم يخوضون حرباً مع جيش عرمرم. ومع أن سوريا الجديدة تعلن رسمياً أنها لا تريد حرباً مع إسرائيل، بل تفتش عن تفاهمات أمنية بعيدة المدى تكون أساساً لمفاوضات سلام مستقبلية، فقد ذكر العسكريون الإسرائيليون الثلاثة، في خطاباتهم، كلمة «العدو من الشمال الشرقي».

والمعروف أن «قوات الجولان» في الجيش الإسرائيلي هي المسؤولة عن العمل في هضبة الجولان السورية، المحتلة منذ عام 1967. وقد تم توسيعها وتوسيع نفوذها، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتسيطر حالياً على جميع قمم جبل الشيخ وعلى المنطقة الشرقية من حدود وقف إطلاق النار التي تم رسمها في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، والتي احتلتها إسرائيل لمسافة 3 – 9 كيلومترات على طول الحدود بمساحة تزيد على 400 كيلومتر مربع، وأقامت تسعة مواقع عسكرية ثابتة في هذه المنطقة، تستخدمها نقاط انطلاق لعمليات اجتياح في عمق الأراضي السورية، لمسافة وصلت عدة مرات إلى بلدات تبعد فقط 20 كيلومتراً عن دمشق و32 كيلومتراً في محافظتي درعا والسويداء، بحجة الاستيلاء على أسلحة وتصفية خلايا إرهابية أو تزويد السويداء بالمواد الغذائية والطبية.

وتم الكشف عن عدة عمليات تهريب أسلحة ومخدرات تورط بها عدد من جنود وضباط الجيش الإسرائيلي. وفي عدة مرات قام مستوطنون متطرفون بمحاولة تسلل لغرض إقامة استيطان يهودي هناك.
وفي خضم المفاوضات الرسمية بين إسرائيل وسوريا، أعربت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي، عن معارضتها للتوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية»، تنص على انسحاب قواته من المواقع التسعة المذكورة، بادعاء أنه سيفقد حريته في استهداف هذه المناطق.
وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، في يناير (كانون الثاني) الماضي، يعتبر الجيش الإسرائيلي أن مطالبة الرئيس السوري، أحمد الشرع، بتوقف إسرائيل، وخاصة طيرانها الحربي، عن استمرار الغارات في الأراضي السورية «سيشكل صعوبة في إحباط تهريب أسلحة متطورة من العراق وإيران، عن طريق سوريا، إلى (حزب الله) الذي يعيد بناء قوته».
وأضافت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي الذي أجرى دراسات معمقة للمطالب السورية وتبعات الاتفاق الأمني الذي تريده، ورغم أن المستوى السياسي تعهد عدة مرات بأن الجيش سيبقى في جميع الأحوال في قمم جبل الشيخ في سوريا، كونها «موقعاً استراتيجياً يسمح لقوات الجيش بمراقبة طرق تهريب أسلحة بين سوريا ولبنان»، فإن هناك عناصر أخرى تبدي فيها الحكومة الإسرائيلية مرونة يرفضها الجيش، خصوصاً الانسحاب من المواقع التسعة، ووقف الغارات في مختلف أنحاء سوريا.
ويدعي الجيش الإسرائيلي أن اتفاقاً أمنياً جديداً بين إسرائيل وسوريا من شأنه أن يعيد عمليات تهريب أسلحة، بادعاء أنه بقيت في أنحاء سوريا كميات كبيرة من الأسلحة وقدرات المراقبة، مثل رادارات روسية، من فترة النظام السابق، وغيرها.
وبحسب الصحيفة، فإنه لا توجد قدرة أو خبرة للجيش السوري الذي يجري بناؤه مجدداً لتشغيل معظم الأسلحة، والقدرات، «لكن اتفاقاً مع سوريا من شأنه أن يتيح لها أن تتعلم وفي الوقت ذاته، يقيد الجيش الإسرائيلي ويمنعه من مهاجمة هذه الأسلحة، والقدرات».

ويعارض الجيش الإسرائيلي، حسب الصحيفة، مطالبة سوريا بوقف الهجمات الإسرائيلية في منطقة درعا، بادعاء أن ميليشيات موالية لإيران، ومنظمات فلسطينية، و«حزب الله» كانت تنشط في هذه المنطقة، واستهدفها الجيش الإسرائيلي. ويعتبر الجيش أن موافقة إسرائيل في إطار المحادثات حول اتفاق أمني سيمنع مهاجمة أهداف مثل هذه، علماً بأنه لم يتم إطلاق نار من الأراضي السورية باتجاه إسرائيل طوال سنوات كثيرة.
كما يعارض الجيش الإسرائيلي تقليص ما يسمى بـ«المساعدات للدروز السوريين في ثلاث مناطق قرب دمشق وجبل الدروز ومحافظة السويداء»، والتي تطالب سوريا في المحادثات بوقفها كلياً. وتشكل هذه المساعدات، من وجهة النظر السورية، خطراً على سلامة الدولة، في أعقاب مطالبة الزعيم الروحي للدروز في السويداء، الشيخ حكمت الهجري، باستقلال هذه المنطقة عن سوريا.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإن هذه المساعدات التي شملت بالأساس آلاف الأسلحة «النوعية» التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في السنتين الماضيتين، من «حماس» و«حزب الله»، كذلك شملت دروعاً واقية تعتبر ضرورة أمنية حيوية للدروز، ولإسرائيل، ولا يمكن الاستغناء عنها. وبناء على ذلك، أوصى الجيش أمام الحكومة الإسرائيلية بعدم الانسحاب من «الجولان السوري»، أي المناطق التي احتلها بعد سقوط النظام السابق، وأنه «يحظر الانسحاب من أراضي العدو في أي حدود معادية، ومن الأسهل الدفاع عن بلدات إسرائيلية عندما تكون في أراضي العدو وفي منطقة منزوعة السلاح»، بادعاء أن هذه عبرة من هجوم 7 أكتوبر.
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه رغم تخوفه من نتائج المحادثات مع سوريا، فإنه في جميع الأحوال ستبقى قواته منتشرة بأعداد كبيرة، ومضاعفة عن السابق على طول الحدود في هضبة الجولان السورية (المحتلة)، حتى لو تقرر الانسحاب من الأراضي في جنوب سوريا.

من جهة أخرى، كشفت صحيفة «معاريف» عن قلق إسرائيلي من توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد». وعبر عن هذا القلق المستشرق موشيه ألعاد، المحاضر في كلية الجليل، قائلاً إن هذا الاتفاق ليس مجرد تطور تكتيكي في الجبهة السورية الدامية، بل هو تطور استراتيجي ذو بعد إقليمي، يدل على سيطرة الدولة على مواردها النفطية، وتوحيد صفوفها لتكون منطلقاً لاستعادة قوتها وقدراتها في شتى المجالات. وقال إن هذا التطور، إلى جانب الاستمرار في مضايقة العلويين والدروز، يثير القلق. وأعرب ألعاد عن تقديره بأن الدعم الأميركي لأحمد الشرع يتحول إلى ضربة لحلفائه الذين حاربوا «داعش» وهزموها في سوريا. وها هو يقوض الثقة بها، ليس عند الأكراد وحدهم، بل عند جميع حلفاء أميركا.
واعتبر ألعاد أن عودة سوريا لتكون دولة قوية وموحدة هي خطر استراتيجي على إسرائيل. لذلك، فإن تل أبيب «تفضل حالياً البقاء في الظل، مع تعميق جهودها الاستخبارية، والمحافظة على نشاط سلاح جوها العسكري في سوريا، ونسج علاقات مع الأقليات، مع تفضيلها لعدم الاستقرار في سوريا على أن تكون قوية، وموحدة».

وقد تكلم القادة العسكريون في حفل التبادل المذكور، الأربعاء، عن عملياتهم العسكرية في الأراضي السورية باعتبارها «دفاعاً عن البيت وحماية للمستوطنين في الجولان الذين يقومون بعمل عظيم في الزراعة والصناعة النوعية». واعتبرها العميد يائير بيلي، قائد اللواء 210 في الجيش، الذي تعمل وحدة الجولان تحت جناحه، «مهمات تاريخية تترك أثراً بالغاً وإرثاً فاخراً». وعدّها القائد السابق للوحدة، العقيد بيني كاطا، «خطوة جبارة لتثبيت العقيدة الجديدة في الجيش الإسرائيلي لتشكيل ثلاث دوائر أمنية». ويقصد بالدوائر الثلاث منطقة حشد القوات داخل الحدود الإسرائيلية (أي الجولان المحتل منذ عام 1967) والثانية هي حزام أمني داخل الأراضي السورية في عمق 3 – 5 كيلومترات، ومنطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى الجنوب برمته.




