فن

هشاشة الرحيل المفاجئ عن الحياة



في المجموعة القصصية «مقطوعات على الحب والخوف» للكاتبة والروائية المصرية إيمان عبد الرحيم تبدو الطفولة أقرب إلى قبعة تتقافز منها المشاهد، والرؤى، والأحلام، حتى منطق الأشياء وفانتازيتها؛ ما يجعل السرد وكأنه يتلمس العالم بالدهشة والبديهة.

صدرت المجموعة عن دار «الكتب خان» بالقاهرة، وفيها تبدو الحياة نفسها خيطاً شفيفاً يصل بين ساردي القصص، ففي قصة «النشور» تستيقظ البطلة على نداء أمها التي تطلب منها النهوض سريعاً وجمع أغراضها، بحجة أن اليوم هو نهاية العالم، ليصبح هذا الاستعداد أقرب إلى رحلة «روبنسون كروزو» الأخيرة؛ إذ تحمل معها البطلة ما لا تستطيع العيش من دونه، من أدويتها إلى مجلدات «قصة الحضارة» لويل ديورانت، في مسار اضطراري وجنوني تدفع به القصة تدريجياً نحو أقصى درجات المجهول.

تستعيد القصة هشاشة الرحيل المفاجئ عن الحياة، وعبر اللغة ترسم عداً تنازلياً لليوم الأخير للعالم، ليلاحق الزمن المتبقي لحظةً بلحظة في تهيئة نفسية للفناء: «نظرتُ للساعة، فهالني أنها الخامسة. باقٍ من الزمن ساعة واحدة فقط» قبل أن تنزاح السردية إلى أفق سوريالي، حيث تتواتر صور الطيران والتحليق والأجنحة، بوصفها استعارات للتحرر من ثقل الجسد والتهيئة لغياب أكثر شفافية.

تجسّ الكتابة نبض تلك الحالة السوريالية بحسّ حر، أقرب إلى ضربات فرشاة تبث فوضاها على سطح اللوحة، في طريقها إلى تلمّس مشهد غائم مراوغ؛ إذ تتبدل الألوان، وتتوالد مصادر الضوء، في حين يصبح الطيران نفسه أداةً للرؤية، وليس مجرد فعل داخل الحكاية: «الفضاء السديمي البارد يتحول لونه البنفسجي تارة إلى أزرق غامق، وتارة إلى أسود حالك، ويعود للبنفسجي تدريجاً، وأنا ما زلت أخترق طائرة ذلك الغبار الماسي، الذي علق الكثير منه بأجنحتي، فزادها جمالاً، أستحث طيراني متجهة إلى مصدر الضوء البعيد، اتضح مع اقترابي شيئاً فشيئاً أن لونه أبيض حليبي، تتضح الصورة كلما اقتربت، للضوء مصادر عدة، حلزونات ضوئية عدّة، تلك هي الجملة الأنسب لوصف ما أراه».

تبدو حِيَل الزمن من أبرز التقنيات الجمالية في المجموعة، اعتماداً على التوتر الخلّاق بين الرتابة المنزلية اليومية والقفزات الزمنية المفاجئة التي تتجاوز حدود المكان، ففي قصة «الدهر» تبني الكاتبة مشهدين متتاليين يتعمدان البطء: «تترك يدها الطاسة التي كانت تمسك بها بعد أن تغلق عين البوتاجاز، وتتجه إليه بعين مكلومة دامعة، تتحسس شعره الأشقر بأصابعها، وتتأمل وجهه الشاحب، كأنما لم تره منذ زمن بعيد»، ثم لا يلبث السرد أن ينتقل إلى مشهد موازٍ، يبدو وكأنه خرج من قلب المشهد الأول، ليطوي المسافة بين الزمنين والمكانين دفعة واحدة.

لا يظل التراوح الذي يُلمح إليه عنوان المجموعة بين «الحب» و«الخوف» حبيس العتبة النصّية، بل يتسرب إلى البنية الشعورية لقصصها، التي يحكمها هذا التأرجح المستمر بين القطبين، لا سيما الخوف من الفقد، أو فقد الأحباء، ففي قصة «بابا» تلمس الكاتبة جرحاً طفولياً عارياً، وتلجأ إلى تقنية الميتاسرد؛ لتجعل فعل الكتابة نفسه جزءاً من الحدث: «إيمان ترغب في أن تكتب عن إيمان»، ثم تعود لتشير إلى ذاتها مرة أخرى: «فلنعد إلى إيمان حين كانت تتأمل نظارة أبيها، وملامحه العابسة، وحاجبيه المقطبين دائماً»، لتتحول إلى فعلٍ يشارك في صنعها وإعادة ترتيبها، كأن الطفلة والكاتبة تتقاسمان لحظة التذكر في الزمن نفسه.

كسر حدود الحكاية

تصنع الكاتبة تناصاً ظاهراً وضمنياً مع النص القرآني عبر قصص المجموعة، التي تُصدِّر كل واحدة منها بآية، بما يفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز حدود الحكاية نفسها، فهذا التناص لم يظهر كإحالة ثقافية أو زينة بلاغية، إنما يدخل في صميم البناء السردي، فتستدعي معاني البعث، والرحمة، والابتلاء، والخوف، والرجاء، لتعيد اختبارها داخل خبرات إنسانية يومية وهشة.

بما يجعل اختيار افتتاح كل قصة بآية قرآنية جزءاً من معمار المجموعة نفسها، ليعبر القارئ إلى الحكاية من بوابة تأويلية مسبقة، ويخلق صلة بين العالم المرئي وما يتجاوزه من احتمالات متعددة.

كما تستعير الكاتبة بنية هائمة تقوم على التشظي والهلاوس، في مقاربة لحالة المرض العقلي في قصة «فصام»، فلا تكتفي بتمثيل التشظي، بل تنقله إلى آليات السرد نفسها؛ إذ تضع المنطق والصور المستقرة موضع مساءلة، وتزعزع الحدود بين الواقع والخيال، بما يجعلها خاصية بنيوية في القصة تحيل لمشهدية أقرب إلى البصريات السينمائية الفانتازية: «نظرت للساعة في المنبه جواري، ورأيت أرقاماً عجيبة من ذوات الأربع خانات، الساعة 5040 ونصف! فاستنتجت على الفور أني كنت نائمة».

وعلى امتداد المجموعة، تنهض قصصها على عالم لا يفصل بين اليومي والميتافيزيقي، ولا بين الطفولة والكهولة، ولا الواقعي والفانتازي، بل يجعلها جميعاً تتجاور داخل الحس السردي نفسه، فلا تأتي غرائبية هذه القصص من رغبتها في كسر المنطق، بقدر ما تنبع من إيمانها بأن أكثر ما يبدو مألوفاً و«بديهياً» في الحياة يخفي داخله قدراً من الغموض يستعصي على التفسير؛ ما يجعل الخوف والحب في المجموعة ليسا موضوعين للحكي بقدر ما هما عدستان يُعاد من خلالهما تأمل ما أضمره القلب وأخفاه من حيرة وندوب.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى