صدمة طبية… اكتشاف ديدان شريطية حية في دماغ رجل بعد الاشتباه بإصابته بالسرطان

ختام مسلسل يداوي الروح… انتهت رحلة توبا وصديقتَيها على «نتفليكس»
في وقتٍ تنشغل فيه الممثلة التركية توبا بيوكوستون بتصوير مسلسل «الأمير» بين القاهرة والرياض، إلى جانب الممثل المصري أحمد عز، اختتم مسلسلها «شجرة الزيتون»، المعروف أيضاً بـ«ذاتٌ أخرى (Another Self)»، رحلته على «نتفليكس».
كان يجب انتظار الحلقة الختامية من الموسم الثالث والأخير لمعرفة أسباب التسمية، والعلاقة الوثيقة بين شجرة الزيتون المعمّرة وقصة الصديقات الثلاث: آدا، وسيفغي، وليلى. والأخيرات هنّ القلب النابض للمسلسل، والسبب الأساسي في تصنيفه إحدى أنجَح التجارب الدراميّة التركيّة.
صيف 2022، اخترق «Another Self» شاشة «نتفليكس» بوصفه أحد إنتاجاتها الأصلية، ليصبح من بين أول الأعمال التركية التي تحجز لنفسها مقعداً أمامياً على المنصة. منذ المشاهد الأولى، تَبيّنَ أنّ الطرح الدرامي جديدٌ من نوعه بالنسبة إلى الأعمال التلفزيونية التركية والمَشرقيّة بشكلٍ عام، لناحية غوصه في موضوع الصدمات المتوارثة عبر الأجيال والعائلات، وعلاقة أمراض الجسد بجراح النفس والروح.
تقرّر سيفغي (بونشوك يلماز) أن تعالج السرطان الذي أصابها بمداواة روحها واستكشاف ماضيها، بينما تعارضها صديقتها الطبيبة آدا (توبا بيوكوستون) غير المؤمنة سوى بمنطق العلم. لكن سرعان ما تنجذب آدا إلى حلقات العلاج النفسي الجماعي لتخوض اختباراً يجعلها متمرّدة على مهنتها، ويحفّزها على الانتقال مع صديقتَيها من إسطنبول إلى بلدة آيفاليك التركية الصغيرة المطلّة على بحر إيجه.

هناك تبدأ رحلة التنقيب عن الماضي الدفين، وعمَّا ابتلعه الأجداد والجدّات من صدماتٍ وجراح، فحمله الأولاد والأحفاد في جيناتهم. ليلى (سيدا باكان) على سبيل المثال تخشى المياه لأنَّ جدّتها غرقت وهي تحاول العبور بحراً من اليونان إلى تركيا. أما سيفغي فلم تختر مهنة المحاماة عبثاً، فهي خسرت والدها طفلةً في جريمة قتل، في حين حملت آدا جراح أم جدّتها وانفصال والدَيها.
لكلٍ من الشخصيات الثلاث والأقرباء والأصدقاء المحيطين بهنّ كذلك، علاقة معقّدة مع الماضي. وبينما يشكّك بعضهم بنظريّة انعكاس الصدمات المتوارثة على الصحة الجسدية، يذهب البعض الآخر في البحث إلى آخره.
مغامرة البحث عن الذات التي تخوضها الصديقات الثلاث جعلت الجمهور يتعلّق بحكاياتهنّ، وبمسلسلٍ يلطّف الموضوع الدقيق والعميق من دون أن يسخّفه. حلّ الموسم الثاني صيف 2024 ليوثّق رحلة شفاء سيفغي، وسِحر الصداقة الوطيدة بينها وبين آدا وليلى. تلك الرحلة تقودهنّ إلى إسبانيا في إجازة استجمام واستكشافٍ نفسيّ تُبقي آدا هناك وتُعيد ليلى وسيفغي إلى بلدتهما التركية.

يُفتَتح الموسم الثالث بعودة آدا من إسبانيا، حيث طوّرت دراساتها وأبحاثها الطبية، وخاضت جلسات علاج نفسي مكثّفة. على سلّم أولويّاتها العثور على أختها غير الشقيقة من زواج أبيها الثاني. أما هدفها الآخر فافتتاح عيادة طبية تدمج ما بين العلاج النفسي والجسدي.
كالعادة، تلاقي الدعم من صديقتَيها المنشغلتَين أيضاً في تتويج رحلة البحث عن الذات بالعثور على السلام الداخلي. تسعى سيفغي إلى تبنّي طفل، أما ليلى فتحاول التخلّص من كل ما يكبّلها عائلياً ومهنياً. لكنّ الحلقات الـ8 هنا لتذكّرَ المُشاهدين بأنَّ الرياح لا تجري دائماً كما تشتهي القلوب.

مهما استعانت آدا بحِكَم جبران خليل جبران، وريلكه وغيرهما من فلاسفةٍ وأدباء، فإنّ الحياة لا تبدو بالمثاليّةِ ذاتها التي تخطّها سطورهم. على وقع المفاجآت غير السارّة، تسير الحلقات بوتيرةٍ سريعة وغير مملّة. ويبقى الخيط المشترك بينها نبضُ قلوب الصديقات اللواتي يقفن سنَداً لبعضهنّ بعضاً، ومَشاهد البحر والطبيعة الخلّابة.
بمساعدةِ أوزغور، الحب الجديد الذي يدخل حياتها، تعثر آدا على أختها دنيز. إلّا أنّ اكتمال شجرة العائلة دونَه عقبات مرتبطة بسلوك دنيز، وغيرتها من آدا، وكل ما حملته من ندوب بسبب حب والدها لابنته الكبرى وانتحار أمها بعد وفاته. تجلب الفتاة معها عاصفةً من التعقيدات التي تشوّش مسار آدا نحو الطمأنينة والتصالح النهائي مع الماضي.
وليست قصة حبها المستجدّة مع أوزغور أقلّ تعقيداً، فالأخير يحمل كذلك ندوباً من الماضي، متعلّقة بوفاة شقيقته في سنٍّ صغيرة.

أما ليلى، فتأخذها الحياة لا إرادياً إلى فكّ ارتباطها مع كل ما يبقيها أسيرةَ الماضي. المستجدّات في المطعم الذي افتتحته في الموسم السابق، وظهور الشيف اليوناني يورغوس في حياتها، واستذكارُها مقتطفاتٍ مؤلمة من طفولتها، كلها عوامل تبثّ فيها القوة من أجل إنهاء علاقتها الزوجية التي استنزفتها، والمضيّ قدُماً في الدراسة والحب.
من جانبها، تواجه إيزغي صعوبةً في عملية تبنّي طفل، إذ يظهر فجأةً والد زوجها محمّلاً بأعباء الماضي من قسوةٍ على ابنه وإدمانٍ على الكحول. هو الآخر غارقٌ في ندوبه التي لا تُداوى سوى بالحب، لينتهي الأمر بدخول الطفلة المقعدة حليمة إلى حياة سيفغي وزوجها فيكو. وحليمة من ضحايا زلزال تركيا الأخير؛ حيث خسرت والدَيها، ولم تنتهِ مأساتها عند هذا الحدّ إذ تعرّضت للتحرّش الجنسي.
تجد الفتاة الملاذ الآمن في بيت سيفغي الدافئ، حيث ينتظرها أمٌ وأبٌ وجدّان وألعاب وملابس ملوّنة تعيد لها بعضاً من طفولتها المفقودة. لكن مهما بلغ الشفاء النفسي من مراحل متقدّمة، فإنَّ الحياة تسير كقطارٍ سريع يرمي من نوافذه صدماتٍ جديدة.

يبقى التحدّي بالنسبة لآدا وشركاء الرحلة ألّا يحوّلوا تلك الصدمات إلى ضغينةٍ وأحقاد وآلامٍ صامتة، كما فعل أجدادهم. يكمن سرّ الشفاء في تجنّب لعب دور الضحية، والتعامل بحبٍ مع البُغض، وبتسامحٍ مع الجروح، وعدم تحميل اللوم لمَن زرعوا تلك الجروح. ولعلّ أهمّ إنجازات المسلسل، أبعد من كَونه دراما جذّابة للعين، هو أنه يوقظ الوعي النفسي والروحي لدى الجمهور، ويذكّرهم بأنّ شجرة الزيتون ليست مجرّد جذعٍ وأغصانٍ وثمر، إنما جذور متشابكة وضاربة عميقاً في الأرض.




