كيف مهد «صاروخ» إيلون ماسك العملاق لأضخم اكتتاب بالتاريخ؟ : CNN الاقتصادية


وحقق الإطلاق الأخير لمركبة «ستارشيب» غير المأهولة -المصممة لإتاحة إطلاق أكثر تكراراً لأقمار «ستارلينك» وإرسال مهام ناسا المستقبلية إلى القمر- إنجازاً رئيسياً للمركبة بعد أشهر من تأخر الاختبارات، ومن شأن هذه النتيجة أيضاً أن تعزز ثقة المستثمرين قبل الطرح العام الأولي لشركة «سبيس إكس» الشهر المقبل، المتوقع أن يكون الأكبر في التاريخ.
ستارشيب وأهداف إيلون ماسك
وتعد «ستارشيب»، التي أنفقت «سبيس إكس» أكثر من 15 مليار دولار لتطويرها كمركبة فضائية قابلة لإعادة الاستخدام بالكامل، حاسمة لأهداف ماسك في خفض تكاليف الإطلاق، وتوسيع أعمال «ستارلينك»، ومتابعة طموحاته التي تمتد من استكشاف الفضاء العميق إلى مراكز البيانات المدارية؛ وهي أمور تم أخذها جميعاً في الحسبان للوصول بالتقييم المستهدف للشركة في الاكتتاب العام إلى 1.75 تريليون دولار.
ويمثل إطلاق يوم الجمعة الرحلة التجريبية الثانية عشرة لنموذج «ستارشيب» منذ عام 2023، والأولى لنسخته المحدثة «V3»، وهي ترقية رئيسية لكل من مركبة الرحلة ومعزز الدفع «سوبر هيفي» (Super Heavy)، فضلاً عن كونها أول انطلاق من منصة إطلاق صممت خصيصاً للصاروخ الجديد.
الصاروخ الأكبر والأقوى على الإطلاق
وكانت «سبيس إكس» تعول على نجاح هذه الرحلة التجريبية لتعزيز موقفها بأن الصاروخ الأكبر والأقوى على الإطلاق يقترب من الجاهزية التجارية بعد سنوات من الإخفاقات الانفجارية وتأخر التطوير، ويبدو أن اختبار الجمعة قد حقق معظم أهدافه الرئيسية.
وانطلقت المركبة الشاهقة، المكونة من المرحلة العليا لمركبة رواد الفضاء «ستارشيب» المثبتة فوق صاروخ الدفع «سوبر هيفي»، في حدود الساعة 5:30 مساءً بالتوقيت المحلي (22:30 بتوقيت غرينتش) من منشآت «سبيس إكس» في ستاربايس بولاية تكساس.
وبعد دقائق انفصلت المرحلتان بنظافة، لتواصل مركبة «ستارشيب» التحليق في مرحلة الطيران رغم فقدان أحد محركاتها الستة، ثم أطلقت حمولتها من الأقمار الاصطناعية قبل أن تنجو من مرحلة العودة النارية عبر الغلاف الجوي وتهبط في الماء، واستغرقت رحلتها في المجمل ما يزيد قليلاً على ساعة.
وفي المقابل، هبطت المرحلة السفلية «سوبر هيفي» بشكل منفصل بعد نحو ست دقائق من الانطلاق كما كان متوقعاً، لكن الصاروخ المعزز فشل في إكمال عملية تشغيل محركاته المخطط لها للعودة بعد الانفصال عن «ستارشيب».
ورحب ماسك بالنتيجة في رسالة نشرها على منصته «إكس»، مهنئاً فريق «سبيس إكس» على «الإطلاق والهبوط الملحمي الأول لستارشيب V3».
طموحات الشركة المتوسعة في الفضاء
ووصفت كاثلين كورلي، باحثة التحليل في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون، الرحلة بأنها «خطوة مهمة أخرى إلى الأمام في استراتيجية سبيس إكس الأوسع لبناء قدرة الإطلاق اللازمة لدعم طموحات الشركة المتوسعة في الفضاء»، ورغم أن الرحلة واجهت «بعض الأعطال المفاجئة»، فإن كورلي ذكرت أن «الاختبار حقق عدة أهداف رئيسية وسيوفر للشركة بيانات تشغيلية وهندسية مهمة للمضي قدماً».
وأظهر بث مباشر لـ«سبيس إكس» الصاروخ، الذي يتجاوز طوله 40 طابقاً، وهو يرتفع من برج الإطلاق بالتزامن مع اشتعال مجموعة محركات «رابتور» الـ33 لصاروخ «سوبر هيفي» وسط كتلة من اللهب وسحب كثيفة من البخار والعوادم.
وانتهى الاختبار بعد نحو 65 دقيقة عندما عبرت مركبة «ستارشيب» الغلاف الجوي للأرض وهبطت في المحيط الهندي موجهة مقدمتها لأعلى كما كان مخططاً، قبل أن تنقلب في البحر وتنفجر في كرة لهب، وسط هتافات صاخبة من موظفي «سبيس إكس» الذين تجمعوا لمشاهدة البث المباشر، وذكرت الشركة قبل الإطلاق أنها لن تحاول استعادة المعزز أو المرحلة العليا حتى لو سار كل شيء وفق الخطة.
وخلال مرحلة الطيران دون المداري، نجحت «ستارشيب» في إطلاق حمولتها المكونة من 20 قماراً اصطناعياً تجريبياً من طراز «ستارلينك» واحداً تلو الآخر، بالإضافة إلى قمرين اصطناعيين معدلين فعليين قاما بمسح الدرع الحراري للمركبة ونقل البيانات إلى المشغلين على الأرض أثناء الهبوط، ونظراً لفشل أحد محركات «ستارشيب» الستة في بداية الرحلة، فضّل مراقبو المهمة عدم محاولة إعادة تشغيل المحرك في الفضاء قبل العودة.
لكن المركبة نفذت مناورة تشغيل محركات الهبوط في نهاية رحلتها، إلى جانب مناورات متعددة استهدفت عمداً وضع المركبة تحت أقصى درجات الضغط، وأكملت «ستارشيب» تلك التحركات بنجاح حتى هبوطها النهائي المتحكم فيه.
تدقيق من المستثمرين قبل الاكتتاب
وكانت الرحلة التجريبية الـ12 محط أنظار المستثمرين قبل ثلاثة أسابيع من الطرح العام الأولي، الذي قد يصبح أول ظهور لشركة في السوق الأميركية تتجاوز قيمته تريليون دولار، ويحول «سبيس إكس» فوراً إلى واحدة من أكثر الشركات المتداولة علناً قيمة في العالم، ويعتمد مستقبل أعمال «سبيس إكس» الأكثر ربحية، المتمثلة في عمليات «ستارلينك» ومشاريع مراكز البيانات المدارية، بشكل كبير على نجاح «ستارشيب» في إيصالها إلى الفضاء.
وفي حين أن ماسك يتعامل عادة مع إخفاقات الرحلات التجريبية السابقة بهدوء، يتبقى أن نرى كيف سيوفق المستثمرون بين رغبة الملياردير في المخاطرة قصيرة الأجل وطموحاته طويلة الأجل للسفر الفضائي إلى القمر والكواكب، وتعتمد الثقافة الهندسية لـ«سبيس إكس»، التي تعتبر أكثر تحملاً للمخاطر مقارنة بالشركات التقليدية في قطاع الطيران، على استراتيجية اختبار تدفع المركبات الجديدة إلى نقطة الفشل، ثم صقل التحسينات عبر التكرار السريع.
وكان ماسك، الذي أسس الشركة عام 2002، قد صرح قبل عام بأنه يتوقع قيام «ستارشيب» برحلتها الأولى غير المأهولة إلى المريخ بنهاية عام 2026، وهو هدف بات الآن بوضوح بعيد المنال.
وتتميز النسخة «V3» بمجموعة من الترقية المصممة لتعزيز وظائف المركبة لمهام تتجاوز نطاق المدار الأرضي المنخفض الذي تعمل فيه أنظمة الشركة الحالية مثل «فالكون 9» و«فالكون هيفي»، وتتمثل إحدى التحسينات الرئيسية في معزز «سوبر هيفي» في إعادة تصميم محركات «رابتور» لإنتاج قوة دفع أكبر ووزن أقل بكثير، كما تم تحسين نظام الدفع للمرحلة العليا لـ«ستارشيب» للمهام طويلة المدى، بما يسمح بالتحام السفن ببعضها، والتزود بالوقود في الفضاء، وزيادة القدرة على المناورة.
ويتطلب إجراء عملية التزود بالوقود في المدار مركبات صهريج متعددة من طراز «ستارشيب»، وهو إجراء محفوف بالمخاطر وغير مثبت بعد، لكنه ضروري بموجب استراتيجية «سبيس إكس» لبعثتها الأولى للهبوط على سطح القمر والمخطط لها عام 2028، وتم دمج كل ذلك في العقد الذي تفوق قيمته 3 مليارات دولار الذي فازت به «سبيس إكس» عام 2021 ضمن برنامج «أرتميس» التابع لناسا، والذي يمثل الجهود الأميركية لإعادة رواد الفضاء إلى سطح القمر لأول مرة منذ عام 1972؛ وهي خطط تضع «ستارشيب» في قلب سباق فضاء جديد مع الصين، التي تهدف بدورها إلى تحقيق هبوط مأهول على القمر بحلول عام 2030.




