مؤشرات الثقة لا تزال دون مستويات ما قبل الحرب

حكم ليزا كوك: استقلالية «الفيدرالي» تنتصر… ووارش الرابح الأكبر
لم يكن قرار المحكمة العليا الأميركية، الاثنين، مجرد انتصار قانوني لمحافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك، بل شكّل نقطة تحوّل في واحدة من أكثر القضايا حساسية في الاقتصاد الأميركي: حدود تدخل الرئيس في استقلالية البنك المركزي.
فعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حصل، في اليوم نفسه، على حكم تاريخي يمنحه صلاحيات واسعة لإقالة مسؤولي معظم الوكالات الفيدرالية المستقلة، فإن المحكمة رسمت استثناءً واضحاً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، مؤكدة أن البنك المركزي يتمتع بـ«وضع تاريخي ودور فريد» يبرران استمرار الحماية القانونية لأعضائه من الإقالة التعسفية.
وبذلك، لم يكن الرابح الحقيقي في القضية ليزا كوك وحدها، بل أيضاً رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، الذي أصبح يتمتع بحصانة مؤسسية أكبر في مواجهة الضغوط السياسية، حتى وإن كان قد وصل إلى منصبه بتعيين من ترمب نفسه.
«الفيدرالي»… خارج معادلة الوكالات الأخرى
جاء قرار المحكمة العليا منقسماً بأغلبية خمسة قضاة مقابل أربعة، إذ رفضت المحكمة محاولة ترمب عزل ليزا كوك في أثناء استمرار نزاعها القضائي، معتبرة أن قبول مبررات الإقالة المطروحة سيحول الحماية القانونية التي أقرها «الكونغرس» لأعضاء «الاحتياطي الفيدرالي» إلى مجرد تعيينات قابلة للإلغاء بإرادة الرئيس.
وفي المقابل، أيدت المحكمة في قضية منفصلة إقالة عضو لجنة التجارة الفيدرالية ريبيكا سلوتر، وألغت عملياً سابقة قضائية عمرها أكثر من تسعين عاماً كانت تمنح رؤساء الوكالات المستقلة حماية مماثلة.
وبذلك، أصبح الرئيس الأميركي قادراً على إقالة مسؤولي معظم الهيئات المستقلة، مثل لجنة تكافؤ فرص العمل، والمجلس الوطني لعلاقات العمل، وهيئة سلامة المنتجات الاستهلاكية، وحتى خدمة البريد الأميركية، في حين بقي «الاحتياطي الفيدرالي» المؤسسة الوحيدة تقريباً التي حافظت على حصانتها القانونية.

الرابح الأكبر… وارش
ورغم أن ليزا كوك حافظت على مقعدها مؤقتاً، فإن صحيفة «وول ستريت جورنال» ترى أن المستفيد الأكبر هو رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش.
فالرجل، الذي تولى رئاسة البنك المركزي في مايو (أيار) الماضي، بدأ ولايته وسط سؤال كان يلاحق سلفه جيروم باول: هل يستطيع الرئيس الأميركي إقالة أعضاء مجلس المحافظين إذا اختلف معهم بشأن السياسة النقدية؟
الإجابة جاءت هذه المرة من المحكمة العليا: لا، إلا وفق شروط قانونية صارمة تخضع لرقابة القضاء.
وهذا القرار يخفّف كثيراً من قدرة البيت الأبيض على ممارسة أحد أقوى أشكال الضغط على رئيس البنك المركزي، وهو التهديد بإعادة تشكيل مجلس المحافظين أو استبدال شخصيات أكثر توافقاً مع رغبات الرئيس بأعضائه.
ويقول المؤرخ المتخصص في العلاقة بين «الاحتياطي الفيدرالي» والبيت الأبيض، مارك سبيندل، إن تمكين الرئيس من ملء مجلس المحافظين بموالين له «كان سيفتح أبواباً واسعة أمام التدخل السياسي، ويقوّض قدرة رئيس (الاحتياطي الفيدرالي) على التركيز في مهمته الأساسية».
ترمب… انتصار كبير وخسارة مؤثرة
المفارقة أن اليوم نفسه حمل لترمب انتصاراً دستورياً واسعاً وهزيمة استراتيجية في آنٍ واحد.
فقد وصف حكم المحكمة بشأن الوكالات الفيدرالية الأخرى بأنه «انتصار كبير» يزيد صلاحيات الرئيس بصورة غير مسبوقة، لكنه قلّل من أهمية قرار ليزا كوك، معتبراً أنه «إجراء قانوني مؤقت»، متعهداً بمواصلة محاولاته لإقالتها.
وكان ترمب قد سعى إلى عزل ليزا كوك العام الماضي بعد اتهامها بتقديم معلومات مضللة في طلبات قروض عقارية تعود إلى عام 2021، قبل انضمامها إلى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي».
لكن ليزا كوك نفت ارتكاب أي مخالفة، ووصفت القضية بأنها «ذريعة مصطنعة»، هدفها إخضاعها لضغوط سياسية، بسبب رفضها ربط قرارات أسعار الفائدة برغبات الإدارة الأميركية.

استقلالية «الفيدرالي»… لماذا هي مهمة؟
تكمن أهمية الحكم في أنه يعيد التأكيد على أحد المبادئ الأساسية للاقتصاد الأميركي، وهو استقلالية السياسة النقدية عن السلطة التنفيذية. فلو تمكن أي رئيس من عزل محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» بسهولة، لأصبح بإمكانه التأثير مباشرة في قرارات أسعار الفائدة، سواء لدعم النمو قبل الانتخابات أو لخفض تكلفة الاقتراض بما يخدم أجندته السياسية.
وقد استحضر الحكم تجربة سبعينات القرن الماضي، عندما تعرّض رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، آنذاك، آرثر بيرنز لضغوط من إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون لخفض أسعار الفائدة قبل الانتخابات، وهي تجربة يعدّها كثير من الاقتصاديين أحد أسباب موجة التضخم التاريخية التي شهدتها الولايات المتحدة لاحقاً.
… لكن الضغوط لم تنتهِ
ورغم أن المحكمة حصّنت مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قانونياً، فإن ذلك لا يعني انتهاء الضغوط السياسية. فكيفين وارش يواجه حالياً تحدياً معقداً يتمثّل في تزايد التوقعات بأن يضطر البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام، في وقت يفضّل فيه ترمب سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
كما أن بقاء الرئيس السابق جيروم باول عضواً في مجلس المحافظين حتى عام 2028 يمنع البيت الأبيض من تعيين عضو جديد يميل إلى السياسات النقدية التوسعية، وهو ما يمنح وارش دعماً إضافياً داخل المجلس، لكنه قد يجعله أيضاً تحت الأضواء باستمرار بسبب المقارنات مع سلفه.

رسالة إلى الأسواق
يحمل الحكم رسالة واضحة للأسواق العالمية: القضاء الأميركي لا يزال يعدّ «الاحتياطي الفيدرالي» مؤسسة تختلف عن بقية مؤسسات الدولة، وأن استقلاليته ليست مجرد تقليد سياسي، بل مبدأ دستوري يحظى بحماية قضائية.
ورغم أن القرار لا يمنع أي رئيس أميركي مستقبلاً من محاولة التأثير في السياسة النقدية عبر التصريحات أو الضغوط السياسية، فإنه يغلق أحد أخطر الأبواب، وهو استخدام الإقالة بوصفها أداة لإعادة تشكيل قيادة البنك المركزي بما يخدم أجندة البيت الأبيض.
وبالنسبة إلى المستثمرين، فإن هذه النتيجة تعني أن قرارات «الاحتياطي الفيدرالي» ستظل، على الأقل في المدى المنظور، أقرب إلى أن تُبنى على البيانات الاقتصادية ومقتضيات مكافحة التضخم، لا على الحسابات السياسية أو الضغوط الانتخابية.




