أسهم قياسية واقتصاد قَلِق.. من يقود الأسواق؟ : CNN الاقتصادية


فخلف صعود الأسهم وتراجع عوائد السندات، لا تزال المخاوف المتعلقة بالتضخم، والتوترات الجيوسياسية، وتشدد البنوك المركزية، تفرض نفسها بقوة على المشهد العالمي، بينما يراهن المستثمرون بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الجديد للنمو والأرباح.
أنهت الأسواق الأميركية الأسبوع على ارتفاعات قياسية جديدة، كما اقتربت الأسهم الأوروبية من أعلى مستوياتها الأخيرة، في حين شهدت الأسواق الآسيوية موجة صعود بسبب اتساع التفاؤل المرتبط بشركات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بعدما لم يعد الزخم مقتصراً على عدد محدود من شركات التكنولوجيا الكبرى فقط.
وفي الوقت نفسه، تراجعت عوائد السندات وانخفضت فروق العائد الائتماني، بينما أنهى النفط الأسبوع على تراجع رغم التداولات الحادة، في حين واصل الدولار الأميركي مكاسبه.
التضخم لا يزال مصدر القلق الأكبر
ورغم الأداء القوي للأسواق، فإن البيئة الاقتصادية العالمية ما زالت شديدة التعقيد. فالتضخم الاستهلاكي لا يزال يمثل تحدياً رئيسياً لصناع السياسات النقدية، بينما تتزايد المخاوف من تآكل الطلب العالمي نتيجة ارتفاع الأسعار وتشدد الأوضاع المالية.
وفي بريطانيا، لا تزال حالة عدم اليقين الاقتصادي مرتفعة، في وقت يستمر فيه إغلاق مضيق هرمز مع استمرار المفاوضات الجيوسياسية، ما دفع بعض الدول بالفعل إلى تقليص استهلاك الطاقة تحسباً لأي نقص محتمل في الإمدادات.
وخلال الأشهر الماضية، كانت الأسواق تتوقع أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة مرتين خلال عام 2026، لكن الصورة تغيرت بشكل واضح الأسبوع الماضي، بعدما بدأت الأسواق تسعّر احتمالات رفع جديد للفائدة قبل نهاية العام، في ظل تزايد القناعة بأن العالم يتجه إلى مرحلة الفائدة المرتفعة لفترة أطول، إلى جانب استمرار مستويات التضخم والعجز المالي عند مستويات مرتفعة.
وفي الظروف الطبيعية، كان من المفترض أن يؤدي هذا التحول المتشدد في توقعات الفائدة إلى هبوط قوي في الأسهم وارتفاع حاد في عوائد السندات، لكن ما حدث كان العكس تقريباً، إذ أظهرت الأسواق مرونة لافتة مع استمرار الرهان على الأرباح القوية للشركات وعلى الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية وتحفيز النمو الاقتصادي.
إنفيديا تقود موجة التفاؤل
وجاءت نتائج شركة إنفيديا لتمنح الأسواق دفعة إضافية، بعدما أعلنت الشركة تحقيق إيرادات فصلية بلغت 81.6 مليار دولار خلال الربع الأول المالي، بزيادة سنوية وصلت إلى 85%، إلى جانب إعلانها زيادة التوزيعات النقدية 25 مرة، وإطلاق برنامج إعادة شراء أسهم بقيمة 80 مليار دولار.
كما أكدت الشركة أنها تعتزم إعادة نصف تدفقاتها النقدية الحرة إلى المستثمرين هذا العام، ما عزز شهية المخاطرة في الأسواق ودعم موجة الصعود الحالية.
وترافق ذلك مع توقعات بطرح عام أولي ضخم لعدد من الشركات، من بينها سبيس إكس، وهو ما زاد التفاؤل بشأن استمرار تدفقات السيولة إلى أسواق الأسهم.
فجوة متزايدة بين وول ستريت والاقتصاد الحقيقي
لكن خلف هذا التفاؤل، بدأت تظهر فجوة متزايدة بين أداء الأسواق المالية وأوضاع المستهلكين. ففي حين تحتفل وول ستريت بالأرباح القوية وصفقات الطرح الجديدة، تعكس مؤشرات ثقة المستهلك صورة مختلفة تماماً، إذ تراجعت الثقة إلى مستويات قياسية منخفضة، بينما ارتفعت توقعات التضخم لدى الأسر الأميركية.
ورغم ذلك، لا تزال البيانات الاقتصادية الفعلية أكثر تماسكاً، حيث أظهرت بيانات الإنتاج وسوق العمل استمرار الصلابة الاقتصادية مع بقاء طلبات إعانة البطالة قرب مستويات منخفضة. ويشير ذلك إلى أن المخاوف التي يعبر عنها المستهلكون لم تتحول حتى الآن إلى تراجع فعلي في الإنفاق أو النشاط الاقتصادي.
اليابان تتفوق وبريطانيا تحت الضغط
وخارج الولايات المتحدة، برز الاقتصاد الياباني كأحد أبرز المستفيدين خلال الأسبوع، بعدما جاءت بيانات الناتج المحلي الإجمالي والصادرات أفضل من التوقعات، في حين تباطأ التضخم بأكثر من المتوقع. أما في بريطانيا، فبقي المشهد الاقتصادي هشاً رغم تحسن بيانات التضخم، خصوصاً في قطاع الخدمات.
كما أظهرت بيانات المالية العامة البريطانية استمرار الضغوط على الحكومة، بعدما تجاوز الاقتراض الحكومي التوقعات رغم ارتفاع الإيرادات الضريبية، بالتزامن مع تنامي المخاوف من ضعف سوق العمل.
أسبوع حاسم للأسواق والبنوك المركزية
وخلال الأسبوع الجاري، تتجه الأنظار نحو قدرة الأسواق على الحفاظ على هذا الهدوء النسبي، أو أن ما حدث ليس سوى استراحة مؤقتة ضمن موجة تقلبات أوسع.
وسيكون التركيز الأكبر على سوق السندات الأميركية بعد تولي الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش مهامه رسمياً، إذ أكد خلال مراسم تنصيبه في البيت الأبيض تبنيه رؤية إصلاحية للسياسة النقدية، مع حصوله على دعم مباشر من الرئيس الأميركي ترامب، الذي شدد أيضاً على أهمية استقلالية البنك المركزي.
وفي الوقت نفسه، تراقب الأسواق تحركات كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، إذ تواجه هذه المؤسسات معضلة معقدة بين دعم النمو واحتواء التضخم والحفاظ على استقرار العملات وأسواق السندات.
ويعني هذا التباين المتزايد في سياسات البنوك المركزية العالمية أن الأسواق قد تواجه مرحلة جديدة من التقلبات الحادة في العوائد والتدفقات المالية عبر الحدود.
الشرق الأوسط والنفط يعودان إلى الواجهة
كما يبقى الملف الجيوسياسي عاملاً حاسماً في توجهات الأسواق، خصوصاً مع استمرار حالة الترقب بشأن المفاوضات الأميركية الإيرانية. ورغم هدوء أسواق الطاقة نسبياً، فإن هذا الاستقرار لا يزال هشاً للغاية، إذ إن أي تصعيد مفاجئ قد يعيد المخاوف من الركود التضخمي إلى الواجهة ويدفع أسعار الطاقة للصعود بقوة.
الأنظار على بيانات التضخم الأميركية
وتنتظر الأسواق هذا الأسبوع صدور مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي، وهو المؤشر المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم. وتشير التوقعات إلى تباطؤ الزيادة الشهرية إلى 0.5% مقارنة بـ0.7% سابقاً، بينما قد يرتفع المعدل السنوي إلى 3.8%، مع استقرار التضخم الأساسي عند 3.3% سنوياً.
وفي النهاية، يبدو أن الأسواق العالمية تعيش حالياً على توازن شديد الحساسية بين تفاؤل تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي وأرباح الشركات، وبين مخاطر تضخم مرتفع وتوترات جيوسياسية وتشدد نقدي قد يعيد التقلبات بقوة في أي لحظة.
جُمعت هذا المعلومات من النشرة الأسبوعية لمحمد العريان، بيانات الأسواق العالمية، وتصريحات البنوك المركزية والشركات الواردة في التقرير الأصلي.




