فن

«القاعدة» في اليمن و«سوق المصالح» الإرهابية… من تنظيم متمرد إلى شبكة متكيفة



قبل أسابيع قليلة، نفّذ تنظيم «القاعدة» في جزيرة العرب هجوماً مركّباً واسعاً في محافظة أبين جنوب اليمن، هو الأوسع من نوعه منذ سنوات. قرأه كثيرون خبراً أمنياً عابراً في هامش المشهد، بينما تتصدر هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وتداعيات الحرب الإقليمية واجهة الاهتمام. لكن القراءة الأدق أن الهجوم إعلانُ حضورٍ من تنظيمٍ ظنّ كثيرون أنه يحتضر. فـ«القاعدة» كتنظيم إرهابي لم يختفِ؛ لقد غيّر شكله وتغيّرت، وهذا هو الأهم، طريقة عيشه.

بالنسبة لدول الخليج والمنطقة، لم يعد خطر «القاعدة» في اليمن مقتصراً على احتمال هجماتٍ مباشرة كما كان قبل سنوات. المسألة باتت تمسّ أمن الممرات البحرية، ومسارات التهريب العابرة للحدود، والتداخل المتسارع بين الشبكات المسلحة وغير المشروعة على ضفتي باب المندب، فضلاً عن استقرار الدولة اليمنية باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.

تحورات التهديد

خلال العقد الماضي انشغل المتابعون بسؤالٍ واحد: هل يستطيع التنظيم استعادة قوته التي بلغها بين عامي 2015 و2016 حين سيطر على أجزاء واسعة من جنوب اليمن؟ لكن السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان سيعود إلى تلك المرحلة، بل كيف تغيّرت طبيعة التهديد الذي يمثله. فـ«القاعدة» لم يعد تنظيماً يسعى إلى إدارة المدن ورفع الرايات فوقها، لكنه ليس بقايا تنظيمية آخذة في الاندثار.

ما نشهده تحوّلٌ تدريجي من نموذج «التنظيم المتمرد» إلى نموذج «الشبكة المتكيفة»: شبكة أصغر حجماً، أخفض ظهوراً، أقدر على الحركة والتخفي، وأشد ارتباطاً باقتصادات التهريب ومناطق الهشاشة الأمنية والمؤسسية. ولم يعد مفهوم «السيطرة» هو المعيار؛ صار المعيار «الوصول»؛ يكفي التنظيمَ أن يتحرك عبر الوديان والمسارات النائية، وأن يستفيد من شبكات التهريب، وأن يجد موطئ قدمٍ حيث تضعف الحوكمة وتغيب الخدمات.

غير أن الجديد والأشد إثارةً للقلق أن هذا التحول لم يعد شأناً يمنياً ولا شأن تنظيمٍ واحد.

ففي الصومال أُعلن أخيراً عن تعاونٍ بين تنظيم «داعش» وحركة «الشباب»، الغريمين اللذين تقاتلا سنوات. وفي التوقيت نفسه، لفت المراقبين اصطفافٌ غير مسبوق في الخطاب بين الحوثيين و«داعش» و«الشباب» حول الهجمات في أرض الصومال (صوماليلاند)؛ بياناتٌ تتقاطع في التوصيف والعدوّ المعلن، صادرةٌ عن جماعاتٍ يفترض أن مرجعياتها متناحرة. حين تتشابه لغة ميليشيا مدعومة من إيران مع لغة تنظيمين «جهاديين» متخاصمين، فالتفسير لا يكمن في العقيدة، بل في المصلحة.

الوصول والوقت

هنا جوهر المشهد الذي ينبغي أن تمسك به المنطقة: ما يتشكل على ضفتي البحر الأحمر ليس تحالفاً بين هذه الجماعات وإنما سوقُ مصالح. العلاقة بين الحوثيين والجماعات المتطرفة في اليمن تتحرك على طيفٍ كامل: تنافسٌ مباشر في مناطق، وتعايشٌ تكتيكي في أخرى، ومعاملاتٌ محلية، وتبادلٌ للأسرى والسلع، ووسطاء ومسارات تهريبٍ مشتركة، ومنفعةٌ غير مباشرة يجنيها الجميع من ضعف الدولة. المنطق الحاكم منطق السوق لا منطق البيعة: في اقتصاد الحرب، تعبر البضاعةُ خطوطَ العداء قبل أن تعبرها العقيدة.

فالسلاح الإيراني المهرَّب بحراً يغذي الحوثيين؛ وشبكات التهريب نفسها تؤجّر خدماتها لمن يدفع؛ والفراغ الذي يخلّفه انشغال العالم بالملاحة يمنح «القاعدة» ما تحتاج إليه بالضبط: الوصول والوقت.

والأخطر أن السلوك الحوثي بات يوفر بالمعنى الوظيفي لا بالضرورة التنظيمي بيئةً حاضنة لهذه السوق: فكل تصعيدٍ بحري يستنزف الانتباه الدولي ويعيد توجيه الموارد الأمنية نحو حماية الممرات، ويوسّع اقتصاد التهريب الذي تعيش عليه الشبكات جميعاً، ويؤخر تعافي الدولة اليمنية التي تمثل وحدها القدرة على تجفيف هذه السوق. وهكذا تتغذى الظاهرتان إحداهما على الأخرى: ميليشيا تُدوّل الأزمة لتكسب مكانة، وشبكات متطرفة تنمو في الظل الذي يصنعه هذا التدويل.

ثم تأتي الجغرافيا لتحوّل المحلي إلى إقليمي. فباب المندب لا يفصل بين ساحلين بقدر ما يصلهما؛ وتنامي الروابط بين شبكات التهريب في اليمن والقرن الأفريقي سلاحاً ومقاتلين وأموالاً يعني أن هجوماً في أبين، وإعلان تعاونٍ في الصومال، واضطراباً في صوماليلاند، ليست أحداثاً متفرقة في ثلاث خرائط، بل مؤشرات على منظومة تهديدٍ واحدة تمتد عبر ممرٍ يمر منه جانبٌ كبير من تجارة العالم وطاقته. وهذا ما رصدته تقارير دولية حديثة في سياقاتٍ مشابهة؛ فالجماعات الأكثر قدرةً على البقاء لم تعد تلك التي تمسك بالأرض، بل تلك التي تندمج في البيئات المحلية وشبكات الاقتصاد غير المشروع وتتحرك عبر الحدود.

لماذا يعني هذا كله عواصمَ المنطقة مباشرة؟ لأن مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى على البحر الأحمر وحوله تفترض ممراتٍ آمنة وسواحل مستقرة؛ ولأن أمن جنوب الجزيرة العربية يبدأ من قدرة الدولة اليمنية على الإمساك بأرضها وسواحلها؛ ولأن سوق المصالح هذا إن نضج، فلن يظل بائعوه ومشتروه على الضفة الأخرى من الماء.

العيش في الفراغات

التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن الأدوات الأمنية وحدها لا تكفي؛ فالجماعات المتطرفة تنمو حيث تتآكل مؤسسات الدولة وتتراجع فرص العمل وتتعثر العدالة المحلية. ولهذا فإن أي استراتيجية جادة تحتاج اليوم إلى ثلاثة مساراتٍ متوازية لا مسارين؛ مسار أمني واستخباراتي يركز على تعطيل الشبكات والتمويل والتهريب والقدرات العملياتية؛ ومسار مؤسسي وتنموي يعالج العوامل التي تسمح للتنظيم بإعادة بناء نفسه، لأن التنظيمات المتطرفة لا تعيش على السلاح فقط بل على الفراغات التي تتركها الدولة حين تغيب؛ ومسار إقليمي ثالث فرضه اتساع الرقعة: تنسيقٌ خليجي ـ يمني ـ أفريقي يربط مكافحة الإرهاب بالأمن البحري وأمن الحدود، ويوائم قوائم التصنيف والعقوبات على ضفتي البحر، ويجفف قنوات التمويل والتهريب المشتركة، ويستثمر في الدولة اليمنية ومؤسساتها وفي مقدمتها خفر السواحل بوصفها حجر الزاوية في أي بنيان إقليمي للأمن.

قد لا تعود «القاعدة» قادرةً على رفع رايتها فوق مدينةٍ يمنية كما فعلت قبل عقد، لكن قدرتها على الانتظار والتكيف تجعلها أصعب رصداً واستهدافاً. والتحدي أمام اليمن وشركائه في الخليج والعالم لم يعد منع عودة «الإمارة»، بل منع نضوج «السوق»؛ سوق المصالح التي تلتقي فيها ميليشيا مدعومة من إيران وشبكاتُ تهريبٍ عابرة وتنظيماتٌ متطرفة متخاصمة على حقيقةٍ واحدة، أن بقاءها جميعاً مرهونٌ بغياب الدولة. فالتنظيم الذي فقد الأرض وجد بديلاً أكثر استدامة: البقاء. والبقاء يزدهر حيث تغيب الدولة… وتحضر السوق.





Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى