القرارات السيادية يجب أن تتخذ داخل المؤسسات الدستورية

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، أن «التمسك بـ(اتفاق الطائف) يفرض تطبيقه بكامل بنوده»، داعياً إلى «تصحيح ما تم تشويهه من بنوده عند التطبيق، وسد الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، وأن نطوّر دستورنا، عند الحاجة، وفق قواعده لا بتجاوزه». كما شدد على أن «قرارات سيادية، مثل قرارات الحرب، والسلم، والأمن الوطني، تُتخذ داخل مؤسساتها الدستورية»، مؤكداً أنه لا قيام حقيقياً للدولة من دون بسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية.
وجاءت مواقف سلام خلال افتتاح معرض «بين سطور الدستور» في المكتبة الوطنية في بيروت، لمناسبة مرور مائة عام على الدستور اللبناني، حيث دعا إلى «قراءة هذه المناسبة انطلاقاً من وظيفة الدستور في تنظيم السلطة، وتقييدها»، معتبراً أن «الدستور لم يكن مجرد مجموعة من المواد القانونية، بل كان، ولا يزال، الإطار الذي انتظم فيه وجود دولتنا».
وقال إن الدساتير «ليست نصوصاً لتنظيم السلطة فحسب، هي، قبل ذلك، نصوص لتقييد السلطة»، بحيث «ألا تكون السلطة مطلقة، وألا يكون الحاكم فوق القانون»، وأن «يعرف المواطن حقوقه، وتعرف كل سلطة حدودها، وأن تكون هناك قواعد يحتكم إليها الجميع عندما يختلفون».
وأشار سلام إلى أن الدستور اللبناني «ابنُ تعدد»، سواء في مصادره الفكرية، أو التجارب التي سبقته، أو المجتمع الذي أراد تنظيم حياته السياسية.
وتوقف عند إصلاحات التنظيمات العثمانية، وتجربة المتصرفية، وحركة النهضة العربية، وصولاً إلى التأثير الدستوري الفرنسي، معتبراً أن دستور 1926 لم يكن دستوراً مستورداً جاهزاً، بل «أخذ من التجربة الفرنسية، وأضاف إليها تجربته الخاصة».
وتناول سلام موقع الطائفية السياسية في النظام الدستوري، مشيراً إلى أن المادة 95 نصت على التمثيل الطائفي «بوصفه إجراءً مؤقتاً لتحقيق العدالة، والوفاق»، مشدداً على أن «الطائفية السياسية قد تكون وسيلة انتقال إلى الدولة المنشودة، لكنها لا يمكن أن تكون غايتها النهائية».
«لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه»
واعتبر أن «اتفاق الطائف لم يكن مجرد تسوية لإنهاء الحرب»، بل كان محاولة للإجابة عن السؤال المتعلق بكيفية إدارة التعدد من دون أن يتحول إلى صراع على الدولة. ولفت إلى أنه «أكد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية، والانتماء»، وأن نظامه «ديمقراطي برلماني»، وقائم على «مبدأ الفصل بين السلطات، وتوازنها، وتعاونها».

وأشار إلى أن الطائف نقل السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب، كما نصّ على أن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي»، وعلى إنشاء «مجلس للشيوخ» بعد انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، إضافة إلى تحقيق الإنماء المتوازن، واعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة.
وسأل سلام: «هل طبقنا الطائف فعلاً، أم أننا طبقنا منه ما أعاد توزيع السلطة، وأجّلنا ما كان يفترض أن يطور الدولة؟»، مشيراً إلى أن «مجلس الشيوخ» لم يُنشأ، وأن إلغاء الطائفية السياسية لم يتحول إلى مسار عملي، فيما بقيت اللامركزية مشروعاً مؤجلاً.
وانتقد سلام توسع التمثيل الطائفي في الإدارة العامة، قائلاً إن «معظم الوظائف العامة تحولت، مع الوقت، إلى مواقع تكاد تكون محجوزة لطوائف محددة دون سواها»، معتبراً أن «الأعراف وتوازنات القوى» سمحت في محطات كثيرة بأن تتقدم على النص، والمؤسسات.
سلطة الدولة وسد الثغرات الدستورية
وشدد سلام على أن «الطائف» ركّز على «بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية»، وعلى «حل الميليشيات، وحصر القوة الشرعية في مؤسساتها»، معتبراً أن المسألة ليست أمنية فقط، بل «دستورية في جوهرها»، إذ «لا معنى لسيادة الشعب إذا تعددت مصادر السلطة خارج المؤسسات التي تمثله».
ولفت إلى أزمات دستورية شهدها لبنان، بينها «التعطيل في انتخاب ثلاثة رؤساء للجمهورية على التوالي»، وأشهر التأخير في تشكيل الحكومات، والخلافات حول المهل الدستورية، وتصريف الأعمال، وتفسير بعض مواد الدستور، معتبراً أن هذه «ليست أسئلة تقنية، إنها في صلب مستقبل الدولة».
وختم سلام بالتأكيد على أن «أفضل تكريم لمئوية الدستور ليس أن نحتفل بعمره، بل أن نحقق غايته»، داعياً إلى دولة «قوية بالقانون، لا قوية على القانون»، ومشدداً على أن «الدولة هي الضمانة. والدستور هو عقد هذه الضمانة».




