تضخم يتراجع وسوق عمل يضعف.. لماذا يتردد الفيدرالي في خفض الفائدة؟ : CNN الاقتصادية


بدأ التضخم في التراجع، لكن لا يزال أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي، في ظل تباطؤ سوق العمل، وبينما تمنح البيانات الأخيرة صناع السياسة مساحة للإبقاء على الفائدة دون تغيير، فإنها لا تمنحهم بعد الثقة الكافية لبدء دورة خفض للفائدة.
يدخل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي اجتماعه المقبل في سبتمبر/أيلول وهو أمام معضلة دقيقة وهي: هل يواصل مكافحة التضخم من خلال إبقاء الفائدة مرتفعة، أم يبدأ في تخفيف السياسة النقدية خشية أن يؤدي التشديد المستمر إلى إضعاف سوق العمل والاقتصاد.
وتشير أحدث البيانات إلى أن الإبقاء على الفائدة دون تغيير هو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً، لكن رفعها لا يزال مطروحاً على الطاولة، في ظل استمرار التضخم فوق مستهدف البنك المركزي وانقسام أعضاء لجنة السوق المفتوحة بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية، نقلاً عن رويترز.
إذ يتوقع معظم الاقتصاديين أن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير في سبتمبر وحتى نهاية العام، وفقاً لاستطلاع أجرته رويترز، في رؤية حافظوا عليها خلال الأشهر الماضية.
تحولت تسعيرات الأسواق بشأن رفع الفائدة 25 نقطة أساس في سبتمبر إلى توقعات تشير إلى احتمال يقارب 70% لتثبيت الفائدة، بعد بيانات أظهرت فقدان وظائف بشكل غير متوقع في يوليو/تموز.
لكن مع دخول الصراع بين الولايات المتحدة وإيران شهره السادس، وارتفاع أسعار النفط بنحو 25% عن مستويات ما قبل الحرب، لا تزال الأسواق تسعر رفعاً واحداً للفائدة بحلول نهاية ديسمبر.
وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، قد أكد الشهر الماضي التزام البنك بإعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2%، بعد بقائه فوق هذا المستوى لأكثر من خمس سنوات، لكنه لم يقدم خطة للتحرك.
وفي المقابل، أشار عدد من أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، بينهم ثلاثة أعضاء صوتوا الشهر الماضي لصالح رفع الفائدة، إلى أن تشديد السياسة النقدية قد يظل ضرورياً إذا ظل التضخم مرتفعاً. ومن المرجح أن يستمر الانقسام داخل اللجنة.
التضخم يهدأ.. لكن ليس بالسرعة الكافية
ظهر هذا الجدل أيضاً في استطلاع منفصل أجرته رويترز بين استراتيجيي السندات، الذين تمسكوا بآرائهم طويلة الأجل بشأن انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، لكنهم قالوا إن العوائد من المرجح أن تأتي فوق توقعاتهم أكثر من احتمال مجيئها دونها.
وقال ستيفن ستانلي، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى سانتاندر يو إس كابيتال ماركتس Santander US Capital Markets، إن نقاش اللجنة الفيدرالية الشهر المقبل «سيدور بالكامل حول آفاق التضخم»، مضيفاً أنه يتوقع ارتفاع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي بنحو 3% على أساس سنوي.
وقال: «هذا ليس جيداً بما يكفي؛ لذلك، في ظل الظروف الحالية، ما زلت أتوقع أن تشدد اللجنة الفيدرالية السياسة النقدية الشهر المقبل».
ويتوقع الاقتصاديون المشاركون في الاستطلاع أن يبلغ متوسط تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي 3.5% هذا العام، دون تغيير عن الشهر الماضي.
كما يتوقعون بقاء التضخم فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي حتى عام 2028 على الأقل، وفقاً لمتوسطات الاستطلاع.
وقبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر، سيحصل البنك على بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يوليو، وهي مقياس التضخم المفضل لديه، إلى جانب أحدث تقرير عن سوق العمل.
وكان تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل للفيدرالي، قد بلغ 3.7% في يونيو/حزيران.
ولا تزال تكاليف المعيشة المرتفعة تمثل نقطة ضعف سياسية للرئيس دونالد ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، بعدما أسهمت تعهداته بخفض الأسعار جزئياً في فوزه بانتخابات 2024.
بيانات أكثر هدوءاً قد تدفع الفيدرالي إلى التثبيت
تولى كيفن وورش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في مايو/أيار، في وقت كانت فيه السياسة النقدية عند مفترق طرق، مع انقسام المسؤولين بشأن الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم، بينما كان الرئيس دونالد ترامب يطالب بخفض الفائدة لتحفيز الاقتصاد.
لكن البيانات الأخيرة قد تكون مهدت الطريق أمام البنك المركزي الأميركي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول.
أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع 3.4% على أساس سنوي في يوليو/تموز، مقابل 3.5% في يونيو، بينما تباطأ التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، إلى 2.5% من 2.6%.
وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 0.1% في يوليو، بينما زاد المؤشر الأساسي 0.2%. وتأتي هذه الأرقام بعد قراءة أضعف للتضخم في يونيو، ما يشير إلى أن ضغوط الأسعار بدأت تفقد بعض الزخم.
لكن المشكلة أن التضخم لا يزال بعيداً عن هدف الفيدرالي البالغ 2%، وهو ما يجعل إعلان دورة خفض للفائدة في الوقت الحالي أمراً صعباً.
سوق العمل يغير حسابات الفيدرالي
في المقابل، لم تعد سوق العمل الأميركية بالقوة نفسها التي كانت عليها، وهو ما يخلق حجة مضادة لرفع الفائدة.
أظهرت بيانات الوظائف لشهر يوليو ضعفاً مفاجئاً في سوق العمل، مع فقدان وظائف بشكل غير متوقع، وكانت البيانات الضعيفة للوظائف، إلى جانب تباطؤ التضخم، من أبرز الأسباب التي جعلت الأسواق تنتقل من توقعات أكثر تشدداً إلى موقف أكثر حذراً.
وتبقى البطالة عند 4.1%، وهي نسبة منخفضة تاريخياً، لكنها تأتي في بيئة أصبح فيها نمو الوظائف أكثر هشاشة، ما يجعل رفع الفائدة أكثر تكلفة إذا أدى إلى تباطؤ إضافي في التوظيف.
انقسام داخل الاحتياطي الفيدرالي بشأن رفع الفائدة
قال كريستوفر والر وليزا كوك، وهما عضوان في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، مؤخراً إنهما سيدعمان رفع أسعار الفائدة ما لم ينخفض التضخم قريباً، وتشير أحدث البيانات إلى أن هذا السيناريو بدأ يتحقق.
وقد لا تكون هذه القراءات الهادئة كافية لطمأنة الداعين إلى رفع أسعار الفائدة.
وتتمثل إحدى المخاوف الرئيسية في أن خمس سنوات من التضخم فوق المستوى المستهدف قد تؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم، وتجعل أي معركة مستقبلية ضد التضخم أكثر صعوبة وتكلفة.
وقالت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، الخميس: «السؤال هو: ما مدى سرعة حاجتنا إلى تحقيق هدف 2%؟ وربما نصل إليه، لكن إذا استغرق الأمر ثلاث أو أربع سنوات أخرى للوصول إليه، فهل هذا مقبول؟».
وكانت هاماك واحدة من ثلاثة صناع للسياسة النقدية اعترضوا على قرار الاحتياطي الفيدرالي الشهر الماضي بالإبقاء على سعر الفائدة عند نطاق 3.50%-3.75%، مفضلين رفعه فوراً.
وقال اثنان من رؤساء بنوك الاحتياطي الفيدرالي غير المصوتين منذ ذلك الحين إنهما أيضاً كانا يريدان رفع الفائدة.
وأشار رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند إلى أن أحد تجار التجزئة في سينسيناتي يرفع الأسعار «لأنه لا يعرف من أين سيأتي ضغط الأسعار التالي، لكنه يعرف أنه سيأتي من مكان ما».
وقالت هاماك: «أعتقد أننا بحاجة إلى التحرك الآن، لأنني أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة التضخم إلى هدف 2% بشكل أسرع مما يشير إليه مسار أطول أجلاً مع أسعار الفائدة عند هذا المستوى».
الأسواق تتراجع عن رهانات رفع الفائدة في سبتمبر
تفاعلت الأسواق بالفعل مع هذه العناوين، إذ تراجع المتعاملون عن رهانات رفع الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر بعد تقارير أظهرت فقدان وظائف بشكل غير متوقع، إلى جانب انخفاض التضخم الاستهلاكي وتضخم أسعار المنتجين عن المتوقع في يوليو.
وفي الوقت نفسه، يسعر المستثمرون احتمالاً يتجاوز 90% لارتفاع سعر الفائدة على سياسة الاحتياطي الفيدرالي بحلول نهاية العام، بناءً على الاحتمالات المجمعة التي تحسبها أداة فيدووتش التابعة لمجموعة سي إم إي.
وسيحدث مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي توقعاتهم الخاصة من خلال توقعات جديدة ستصدر بعد اجتماع الشهر المقبل.
وبحلول منتصف يونيو، كانت الأغلبية ترى أن التضخم، وفقاً لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الذي يستخدمه الاحتياطي الفيدرالي لتحديد هدفه، سينهي عام 2027 عند مستوى يتراوح بين 2.2% و2.5%.
وكان مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي قد سجّل 4.1% في مايو بعد ثلاثة أشهر من ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، قبل أن يتراجع إلى 3.7% في يونيو، وهي أحدث قراءة متاحة.
وللوصول إلى نطاق 2.2%-2.5% بنهاية 2027، رأى نصف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تقريباً أن أسعار الفائدة ستحتاج إلى الارتفاع بما لا يقل عن ربع نقطة مئوية بحلول نهاية هذا العام، بينما رأى جميع الباقين تقريباً أن عدم تغييرها سيكون مناسباً.




