شؤون عربية ودولية

ريادة الأعمال في أرقام.. من يترك الوظيفة ولماذا يعجز العاطلون عن تأسيس مشروع؟ : CNN الاقتصادية



في مرحلة ما من مسيرتهم المهنية، يطرح جميع المحترفين تقريباً السؤال نفسه، وهو هل يواصل بناء مسيرته المهنية داخل شركة قائمة، أم يخوض التجربة ويبني مشروعاً خاصاً به.

في السنوات الأخيرة، أصبحت ريادة الأعمال أكثر انتشاراً، إذ غالباً ما تصور وسائل التواصل الاجتماعي امتلاك مشروع باعتباره المقياس الأهم للنجاح. وقد تجعل قصص المؤسسين الذين بنوا شركات ناجحة واستمتعوا بأنماط حياة مرنة، إدارة مشروع خاص تبدو الخيار الواضح.

إلا أن الذي نادراً ما تتم مناقشته هو المسؤوليات، وعدم اليقين المالي، والمرونة النفسية المطلوبة للوصول إلى تلك المرحلة.

والحقيقة أن ريادة الأعمال والعمل لدى شركة ليس أحدهما أفضل بطبيعته من الآخر. فكلاهما يقدم مزايا وتحديات مختلفة، ويعتمد الاختيار المناسب في النهاية على شخصية الفرد وطموحاته المهنية وقدرته على إدارة المخاطر.

الحرية مقابل المسؤولية

من أبرز عوامل الجذب في إدارة مشروع خاص، الحرية التي يوفرها. إذ يتمتع صاحب المشروع بمرونة تحديد العملاء الذين يرغب في العمل معهم، واتجاه الشركة، وإلى حد معين، كيفية تنظيم يوم عمله. وبالنسبة إلى كثير من رواد الأعمال، لا يوجد شعور يضاهي بناء شيء من الصفر ومشاهدته ينمو نتيجة جهدهم وإصرارهم.

كما توجد فرصة لتحقيق مكاسب مالية أكبر. فعلى خلاف الوظيفة التي ترتفع فيها الدخول عادةً تدريجياً مع مرور الوقت، يستطيع أصحاب المشاريع زيادة دخلهم بشكل كبير من خلال توسيع قاعدة العملاء، أو تقديم خدمات جديدة، أو تنمية فرق العمل. ويكتسب كل إنجاز طابعاً شخصياً، لأن كل مرحلة من مراحل النجاح تكون نتيجة مباشرة لقراراتهم وجهودهم.

كما تسهم إدارة المشروع في تسريع التطور الشخصي. فإلى جانب التخصص في المجال الذي اختاره الشخص، يجد نفسه سريعاً يتعلم المبيعات والتمويل والتسويق والتفاوض والعمليات والقيادة. وكل يوم يحمل تحدياً جديداً يجبره على التكيف والتطور باستمرار.

لكن الحرية تأتي مصحوبة بالمسؤولية. فبينما يتمتع رواد الأعمال بمرونة أكبر غالباً، فإنهم يتحملون أيضاً عبء كل قرار. ولا يوجد راتب مضمون يصل في نهاية كل شهر، بغض النظر عن حجم الجهد المبذول. وبدلاً من ذلك، يصبح صاحب المشروع مسؤولاً عن جذب أعمال جديدة، والحفاظ على علاقات العملاء، وإدارة التدفقات النقدية، وضمان وجود أعمال كافية في خطط العمل لدعم الشركة والأشخاص الذين يعتمدون عليها.

عندما تصبح ريادة الأعمال خياراً بسبب غياب الوظيفة

لا يكون قرار بدء مشروع خاص دائماً نابعاً من الرغبة في الاستقلال أو بناء شركة قابلة للتوسع. ففي بعض الحالات، تصبح ريادة الأعمال استجابة لغياب فرص العمل المناسبة.

وتُظهر بيانات عن عام 2017 تفاوتاً في نسبة الأشخاص الذين بدؤوا أعمالهم الخاصة بسبب عدم قدرتهم على العثور على وظيفة مناسبة. وبلغت النسبة 38% في إسبانيا، و37% في فرنسا، و29% في الولايات المتحدة، و28% في المملكة المتحدة، و23% في هولندا.

وتوضح هذه الأرقام أن العلاقة بين ريادة الأعمال وسوق العمل ليست دائماً اختياراً بين مسارين مستقلين؛ فقد يدفع ضعف فرص التوظيف بعض الأشخاص إلى إنشاء أعمالهم الخاصة.

التمويل والمعلومات من أبرز عوائق ريادة الأعمال

لكن الرغبة في تأسيس مشروع لا تعني بالضرورة القدرة على البدء فيه.

وفي تونس، أظهرت دراسة أجراها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات في ديسمبر/كانون الأول 2020، وشملت الشباب العاطلين عن العمل الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، أن نقص التمويل كان أبرز سبب لعدم دخول ريادة الأعمال، بنسبة 24% من المشاركين.

وجاء نقص المعلومات حول إجراءات تأسيس المشروع والوضع الحالي في المرتبة التالية، بنسبة 15% لكل منهما، بينما ذكر نقص المعرفة والمهارات والخبرات وغياب أفكار للمشروعات بنسبة 13% لكل منهما.

كما شكل الخوف من الفشل ونقص الحوافز الحكومية عائقاً أمام 10% لكل منهما.

وأُجريت الدراسة خلال ديسمبر/كانون الأول 2020، في ظل جائحة فيروس كورونا، باستخدام مقابلات هاتفية بمساعدة الحاسوب.

وتشير هذه النتائج إلى أن العقبة أمام ريادة الأعمال قد لا تكون دائماً غياب الرغبة، بل أحياناً غياب الموارد أو المعلومات أو المهارات اللازمة لتحويل الفكرة إلى مشروع.

ريادة الأعمال ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه

وتظهر الفروق أيضاً عند النظر إلى ريادة الأعمال من منظور النوع الاجتماعي.

ووفقاً لبيانات دراسة أجرتها الجمعية العالمية لأبحاث ريادة الأعمال في 51 دولة وإقليماً، تختلف معدلات مشاركة النساء في ريادة الأعمال بصورة كبيرة بين الدول. وتُظهر البيانات ارتفاع معدلات رائدات الأعمال في دول مثل الإكوادور والأردن والسعودية، بينما تسجل دول أخرى معدلات أقل بكثير.

وتشير البيانات إلى أن 32% من النساء البالغات في الإكوادور كن منخرطات في النشاط الريادي، مقابل نحو 20% في الأردن، بينما بلغت النسبة 2.6% في مصر و4.9% في الصين. وفي أوروبا، سجلت بولندا 2.3%، ورومانيا 3.7%، والمجر 4.9%.

وتشير هذه الفروق إلى أن انتشار ريادة الأعمال لا يعتمد فقط على قرار الفرد، بل يرتبط أيضاً بالبيئة الاقتصادية وسوق العمل والفرص المتاحة أمام النساء والرجال.

المشروع الخاص لا يعني بالضرورة خلق وظائف كثيرة

كما أن تأسيس مشروع جديد لا يعني بالضرورة أنه سيصبح مصدراً كبيراً للتوظيف.

ففي مسوح عن توقعات رواد الأعمال بشأن خلق الوظائف خلال السنوات الخمس الأولى من النشاط، توقع 3.7% من المشاركين في تايوان عام 2020 عدم خلق أي وظائف خلال تلك الفترة، بينما توقع 2.7% خلق ما بين وظيفة واحدة وخمس وظائف، و2% توقعوا خلق ست وظائف أو أكثر.

وفي الصين، أظهر مسح أُجري في يونيو 2019 أن 5.4% من المشاركين توقعوا عدم خلق أي وظائف خلال السنوات الخمس الأولى، بينما توقع 1.6% خلق ما بين وظيفة واحدة وخمس وظائف، و1.7% توقعوا خلق ست وظائف أو أكثر.

وبالتالي، فإن نجاح المشروع لا يرتبط فقط بامتلاكه أو استمراره، بل أيضاً بقدرته على النمو وخلق فرص اقتصادية جديدة.

إدارة مشروع تعني ارتداء «قبعات» متعددة

امتلاك مشروع يعني أيضاً تولي أدوار متعددة. فقد ينتقل صاحب المشروع في لحظة من تقديم عرض إلى عميل محتمل إلى مراجعة الفواتير، أو إدارة العمليات، أو التعامل مع تحديات غير متوقعة. وعندما تظهر المشكلات، نادراً ما يكون هناك شخص آخر يمكن اللجوء إليه، إذ تقع المسؤولية في النهاية على عاتقه.

ويُعد الجانب النفسي لريادة الأعمال من الجوانب الأقل مناقشة. فكل مشروع يمر بفترات صعود وهبوط. وقد تتجاوز بعض الأشهر التوقعات، مع فرص جديدة مثيرة وعوائد مالية قوية. بينما قد تكون فترات أخرى أكثر هدوءاً بشكل ملحوظ، لا سيما خلال فترات التباطؤ الموسمية مثل أشهر الصيف، عندما تقلل قطاعات عديدة نشاطها بصورة طبيعية. ويكتسب تعلم كيفية الحفاظ على التركيز والثقة خلال هذه الفترات الهادئة أهمية مماثلة للاحتفال بفترات النجاح.

ولهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى الوظيفة باعتبارها الخيار الأقل طموحاً.

يوفر العمل بدوام كامل استقراراً يقدّره كثير من المهنيين خلال مراحل مختلفة من حياتهم. ويسمح الدخل الشهري المتوقع بتخطيط مالي أسهل، بينما توفر مزايا مثل الإجازات السنوية المدفوعة، والرعاية الصحية، وبرامج التطوير المهني، قدراً إضافياً من الطمأنينة.

كما تتيح الوظيفة للأفراد التركيز على تطوير خبراتهم دون تحمل المسؤوليات الأوسع لإدارة مشروع كامل. وبدلاً من القلق بشأن العثور على العميل التالي أو موازنة حسابات الشركة، يستطيع المهنيون توجيه طاقاتهم نحو تحقيق النتائج في مجال تخصصهم، مع الاستفادة من القيادة ذات الخبرة، والمسار الوظيفي المنظم، وفرق العمل التعاونية.

كلا المسارين يحمل ضغوطاً مختلفة

لا يخلو أي من المسارين من الضغوط. فقد يواجه الموظفون أعباء عمل كبيرة، ومواعيد نهائية ضيقة، وتوقعات مؤسسية، بينما يواجه رواد الأعمال عدم اليقين المرتبط بامتلاك مشروع، والحاجة المستمرة إلى تحقيق النمو.

ويكمن الاختلاف في نوع الضغوط الذي يشعر كل فرد بقدر أكبر من الراحة في التعامل معه.

غالباً ما ترتبط ريادة الأعمال بالحرية، لكن هذه الحرية تُكتسب من خلال المسؤولية. وبالمثل، ترتبط الوظيفة أحياناً بالأمان، لكنها توفر أيضاً فرصاً للتعلم المستمر والتقدم الوظيفي والنجاح على المدى الطويل. ويتطلب كلا المسارين الالتزام والمرونة والعمل الجاد.

النجاح لا يُقاس بامتلاك المشروع أو العمل لدى شركة

في النهاية، لا ينبغي قياس النجاح فقط بناءً على ما إذا كنت تمتلك مشروعاً أو تعمل لدى شركة، بل بناءً على مدى شعورك بالرضا عن المسار المهني الذي اخترته.

إذا كنت شغوفاً بما تفعله، وتشعر بالراحة تجاه تحمل المخاطر المحسوبة، وقادراً على التعامل مع التقلبات النفسية والارتفاعات والانخفاضات التي تصاحب إدارة مشروع، فإن تأسيس شركتك الخاصة قد يكون أحد أكثر القرارات إرضاءً التي ستتخذها في حياتك.

ومع ذلك، من المهم أيضاً إدراك أن ريادة الأعمال ليست مناسبة للجميع، ولا يوجد ما يدعو إلى اعتبار ذلك أمراً سلبياً.

فبالنسبة إلى كثير من الأشخاص، يوفر الاستقرار والهيكل والفرص التي تقدمها الوظيفة البيئة المثالية لبناء مسيرة مهنية ناجحة ومرضية.

والقرار الأهم ليس اختيار المسار الذي يحظى بإعجاب الآخرين أكثر، بل اختيار المسار الذي يتيح لك تقديم أفضل ما لديك.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى