عبد العزيز الشلاحي لـ«الشرق الأوسط»: المكان يصنع هوية الفيلم

بعد 3 أفلام طويلة رسَّخت اسمه بين أبرز مخرجي السينما السعودية، ينتقل عبد العزيز الشلاحي في فيلمه الجديد «عكس سير» إلى مساحة جديدة تجمع الأكشن والكوميديا، في رابع تعاون يجمعه بالكاتب مفرج المجفل. وتدور الأحداث داخل عالم شركة لنقل الأموال، على أن يبدأ عرضه في صالات السينما السعودية في 13 أغسطس (آب) المقبل.
في الفيلم، يواصل الشلاحي رهانه المعتاد على المكان بوصفه جزءاً من السرد، وليس فقط خلفية للأحداث. ويأتي «عكس سير» بعد فيلمه الأخير «هوبال»، الذي عكس علاقته الوثيقة بالبيئة والهوية السعودية، قبل أن يختبر الشلاحي نفسه للمرة الأولى في قالب الكوميديا، متّخذاً هذه المرة المنطقة الشرقية قلباً للحكاية ومسرحاً لأحداثها.
رحلة اختيار موقع التصوير
يكشف الشلاحي لـ«الشرق الأوسط» عن أنّ اختيار المنطقة الشرقية لم يكن مطروحاً منذ بداية المشروع، وجاء بعد الانتهاء من النسخة الأولى للسيناريو، مبيناً أنّ عادته في معظم أعماله تقوم على اختيار المكان قبل الكتابة، ثم زيارته وقضاء وقت طويل فيه، حتى يصبح جزءاً من تكوين الفيلم، غير أن «عكس سير» سلك مساراً مختلفاً.
وبسؤاله عن ذلك، يوضح أنّ النقاش الذي جمعه بالكاتب مفرج المجفل، بعد قراءة السيناريو، قادهما إلى إعادة التفكير في البيئة التي تدور فيها الأحداث. فالقصة كانت قابلة للانتقال إلى أيّ مدينة، وإنما المنطقة الشرقية بدت أكثر قدرةً على منح الفيلم اتساعاً بصرياً وإيقاعاً يناسب طبيعته؛ لذلك اتُّخذ القرار بعد اكتمال النص، لا قبله.
ويرى أنّ خصوصية المنطقة الشرقية تكمن في قدرتها على جمع بيئات متباينة ضمن مساحة جغرافية متقاربة، ممّا منح الفيلم تنوّعاً بصرياً يخدم الأحداث. ويشير إلى أنّ المشاهد تنتقل بين البحر والميناء والصحراء والطرق الطويلة والمنشآت الصناعية وخطوط السكك الحديدية، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية وإضاءات المدن ليلاً، وهي عناصر أسهمت في تشكيل هوية الفيلم وإحساسه البصري.
ويضيف: «هذا التنوّع لم ينعكس على الصورة وحدها، بل وفَّر حلولاً إنتاجية مهمة؛ إذ ساعد تقارُب مواقع التصوير على اختصار الوقت وسهولة الانتقال بين المَشاهد، مّما منح فريق العمل مرونة أكبر خلال التنفيذ».

المكان… أحد أبطال الحكاية
تبدو علاقة الشلاحي بالمكان وثيقة، إذ يصفه بأنه أحد عناصر الكتابة السينمائية؛ لأنّ البيئة التي تتحرّك فيها الشخصيات تؤثّر في سلوكها وإيقاعها بقدر تأثير الحوار أو الحدث الدرامي، وفق رأيه. ولهذا رأى أنّ المنطقة الشرقية لا تقدم مناظر مختلفة فحسب، إذ تمنح الشخصيات فضاءً يتوافق مع طبيعة الفيلم.
ويشير إلى أنّ كثيراً من الإنتاجات المحلّية تتجه عادةً إلى المدن التي تتمركز فيها شركات الإنتاج أو المعدات أو الممثلون، لحسابات تتعلّق بسهولة التنفيذ وإدارة الميزانية، وإنما فريق «عكس سير» اختار خوض تجربة مختلفة، بعد اقتناع المنتجين بأنّ القيمة التي سيضيفها المكان تستحق هذا الخيار.
ويكشف أيضاً عن أنّ قرار التصوير في المنطقة الشرقية قُوبل في بدايته بشيء من التحفُّظ، قبل أن يتحوّل إلى تجربة فاقت التوقّعات مع انطلاق التصوير، بعدما وجد فريق العمل تعاوناً واسعاً من الجهات الحكومية والقطاع الخاص في المنطقة الشرقية، الأمر الذي انعكس على سير الإنتاج وسهّل تنفيذ كثير من تفاصيل العمل.
من ناحية أخرى، يؤكد الشلاحي أنّ هذا التعاون امتد إلى مواقع التصوير نفسها؛ إذ نُفّذت جميع المشاهد داخل أماكنها الحقيقية، انطلاقاً من قناعة فريق العمل بأنّ واقعية المكان تضيف مزيداً من الصدق إلى الأداء. ويوضح أنّ مقر شركة «رزمة» الذي يظهر في الفيلم هو منشأة حقيقية تضم خزنة أموال فعلية ومكاتب وممرات وغرفاً لتعبئة الأموال، كما صُورت مَشاهد تعبئة أجهزة الصراف الآلي داخل بيئة العمل الأصلية، وبمشاركة موظّفي شركة نقل الأموال.
ويرى الشلاحي أنّ وجود الممثلين داخل هذه المواقع منحهم ارتباطاً أكبر بعالم الفيلم؛ لأنّ التعامل مع المكان الحقيقي يخلق تفاصيل يصعب إعادة إنتاجها داخل الاستوديو، سواء في الحركة أو الإحساس أو التفاعل مع الشخصيات.

من الظهران إلى صالات السينما
ويأتي «عكس سير» امتداداً للتعاون المستمرّ بين الشلاحي والمجفل، بعد أعمال سابقة صنعت حضوراً لافتاً في السينما السعودية، هي «المسافة صفر»، و«حد الطار»، و«هوبال». كما أن الفيلم الجديد يتّجه إلى مساحة مختلفة تقوم على الأكشن والكوميديا، مع الحفاظ على الاهتمام بالتفاصيل المحلّية التي ميّزت تجاربه السابقة. وتدور أحداثه حول محاولة لإنقاذ زوجة أحد الأبطال من السجن، قبل أن تتحوّل الخطة إلى سلسلة من المطاردات والقرارات المتعاقبة التي تقود الشخصيات إلى مواقف غير متوقَّعة.
وعن انطلاقة الفيلم، يوضح الشلاحي أنّ صنّاعه رأوا أن يكون العرض الأول في المنطقة التي احتضنت التصوير، تقديراً للدور الذي أدّته في إنجاز المشروع. لذلك، تستضيف الظهران العرض الافتتاحي في الخامس من أغسطس، بالتعاون مع شركة التوزيع و«موفي سينما»، مع إتاحة الحضور للجمهور، قبل أسبوع من بدء العروض التجارية في صالات السينما السعودية.
وفي ختام حديثه، يؤكد أنّ اختيار الظهران لإطلاق الفيلم يحمل قيمة رمزية بالنسبة إلى فريق العمل؛ لأنها المدينة التي تشكّلت فيها ملامح «عكس سير»، منذ اتخاذ قرار نقل الأحداث إليها وحتى اكتمال التصوير، وباتت جزءاً من هوية الفيلم، لا مجرّد موقع احتضن تصويره.
ويضم «عكس سير» مجموعة من النجوم السعوديين، يتقدّمهم عبد العزيز الشهري، وعبد المجيد الكناني، ومؤيد النفيعي، ومهند الصالح، وأسماء السياري، إلى جانب فوز عبد الله، ومشاري العجاجي، والفنان القدير حسن العبدي. كما يشارك في الفيلم عدد من الوجوه الجديدة، من بينهم شنار الدوسري وعبد الرحمن الجدعان.




