قلق كردي من «أشباح الماضي» وهجمات الفصائل

تطرح العملية الإسرائيلية في بلدة المنصوري بقضاء صور سؤالاً حول ما إذا كانت عمليات الاقتحام والهدم تمهد لتقليص الوجود البري المباشر، مقابل إبقاء مناطق أوسع تحت المراقبة والسيطرة بالنار، وذلك وسط تقليص للقوة المقاتلة، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء أن قوات فريق القتال التابع للواء «غولاني»، عملت بقيادة الفرقة 36، في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان لإزالة التهديدات عن دولة إسرائيل، وهي تخرج الآن لفترة انتعاش.
مشاهد من كاميرات الجسم للمقاتلين: قوات فريق القتال التابع للواء غولاني تخرج لفترة انتعاش بعد سبعة أشهر من النشاط العملياتي في جنوب لبنان عملت قوات فريق القتال التابع للواء غولاني، بقيادة الفرقة 36، في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان لإزالة التهديدات عن دولة إسرائيل، وهي تخرج الآن… pic.twitter.com/niAKwtqtJR
— Lieutenant Colonel Ella Waweya | إيلا واوية (@CaptainElla1) September 30, 2026
ويأتي ذلك بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إنهاء عملية على مستوى لواء في المنصوري، بالتزامن مع خفض عدد الألوية المنتشرة في الجنوب من 8 إلى 6 ألوية، من دون إعلان انسحاب من المنطقة التي تصفها إسرائيل بـ«الأمنية».
وأفاد الجيش الإسرائيلي أن قوات اللواء 55، بقيادة الفرقة 91، وبالتعاون مع وحدة «يهلوم»، دمرت أكثر من 600 موقع، صنّفها «بنى تحتية» لـ«حزب الله»، و8 مسارات تحت الأرض، إضافة إلى العثور على عشرات منصات الإطلاق.

تحول في طبيعة السيطرة
وقال العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري في بلدة المنصوري «يحمل مؤشرات تتجاوز عملية عسكرية مؤقتة، وقد يعكس تحولاً في طبيعة السيطرة الإسرائيلية جنوب لبنان، من السيطرة المباشرة على الأرض إلى ما يمكن وصفه بالسيطرة بالنار.
وأوضح حلال أن إسرائيل أعلنت في 28 سبتمبر (أيلول) إنهاء عملية واسعة في المنصوري، قالت إنها استهدفت بنية تحتية لـ«حزب الله»، وتحدثت عن تدمير أكثر من 600 موقع و8 أنفاق، بعد أوامر إخلاء تلقاها السكان قبل نحو شهرين، بالتوازي مع عمليات هدم وقصف ممنهجة، طالت المنازل والمنشآت، من بينها تسجيل 17 عملية هدم خلال ليلة واحدة.
وقال: «المسألة لم تعد بالضرورة كيف تدخل إسرائيل القرية، بل كيف تجعلها بعد دخولها أقل قابلية لإعادة الحياة والتمركز فيها. فالاجتياح التقليدي يحتاج إلى أعداد كبيرة من المشاة والقوات الخاصة والهندسة والاحتياط، أما إنشاء حزام أمني أصغر وأكثر قابلية للدفاع فيسمح بخفض القوات البرية، مقابل زيادة الاعتماد على المدرعات والاستطلاع والمسيّرات والمدفعية والنيران الدقيقة».
وأشار إلى أن هذا الاحتمال «يتقاطع مع إعادة تشكيل القوات الإسرائيلية، مع خفض عدد الألوية من 8 إلى 6 ألوية، وخروج وحدات نخبة ومشاة واحتياط، مقابل إدخال تشكيلات، بينها اللواء المدرع 188، وتسريح أعداد من جنود الاحتياط»، لافتاً إلى أن «الأهم ليس عدد الألوية وحده، بل طبيعة الوحدات ومهماتها».
وأضاف: «إذا استخدمنا تعبير الخط الرمادي تحليلياً، وليس باعتباره خطاً إسرائيلياً رسمياً مثبتاً، فيمكن النظر إليه باعتباره خط تثبيت وانتشار، فيما تصبح المنطقة الواقعة بعده باتجاه ما تبقى من جنوب الليطاني، وصولاً إلى مناطق شمال الليطاني، منطقة سيطرة بالنار. أي إن إسرائيل لا تحتاج إلى احتلال هذه المساحة بصورة دائمة، لكنها تحتفظ بالقدرة على مراقبتها واستهداف التحركات فيها والتحكم عسكرياً بما يجري فيها من مسافة».
ورأى حلال أن المنصوري قد تشكل «مختبراً عملياتياً» يقوم على 3 مراحل: «إخلاء السكان، ثم تفكيك البنية الهندسية والعسكرية والمنازل والممرات التي قد تسهّل إعادة التمركز أو العودة السريعة، ثم الانتقال إلى السيطرة عن بُعد».
وقال إن وجود المدرعات يصبح أكثر ملاءمة في مرحلة التثبيت، لأنها تتيح «تأمين المحاور، وحماية المواقع الأمامية، والتحرك السريع، وتوفير قوة نيران مباشرة»، بعدما تتراجع الحاجة إلى وحدات الاقتحام والمشاة.
وأضاف: «قد تنسحب إسرائيل من قرية، لكنها لا تتركها وظيفياً إذا أبقت المسيّرات والاستطلاع والمدفعية والمدرعات في مواقع مسيطرة ونقاط المراقبة والقدرة الجوية. عندها يكون الانسحاب مكانياً، فيما تبقى القدرة على التحكم بما يجري في المنطقة بالنار».
ولفت إلى 3 سيناريوهات محتملة: «انسحاب تدريجي فعلي، أو الإبقاء على حزام أمني مصغّر وأكثر تحصيناً، أو الجمع بين حزام أمني والسيطرة بالنار على المساحات الواقعة خلفه».
وختم بأن انتهاء مهمة «اليونيفيل» بنهاية 2026 يشكل عاملاً أساسياً في هذه القراءة، إذ إن أي تراجع للوجود الدولي قد يزيد، برأيه، من أهمية «الاستطلاع والضرب عن بُعد كبديل عن إبقاء أعداد كبيرة من الجنود داخل القرى».

العمليات ليست محصورة بنموذج واحد
بدوره، قال العميد الركن المتقاعد خالد حمادة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يمكن اعتبار ما يجري في المنصوري نموذجاً نهائياً أو نهاية لمرحلة تبدأ بعدها مرحلة أخرى»، موضحاً أن إسرائيل تستفيد مما وصفه بـ«فترة الجمود التي يعاني منها اتفاق الإطار»، من أجل «تجريف البنى التحتية وتدمير ما أمكن من القرى، وتطوير وجودها العسكري في الجنوب اللبناني في اتجاهات مختلفة».
وقال حمادة: «قد يكون نموذج التدمير المعمول به في المنصوري مطبقاً أيضاً في قرى أخرى، لكن ثمة في الوقت نفسه نموذجاً آخر يقوم على التمدد وتطوير العمليات نحو مناطق تتجاوز الخط الأصفر»، مشيراً إلى أن «قصف منطقة الريحان وسجد والمرتفعات المتبقية شرق النبطية يدخل أيضاً في هذا السياق».
وأضاف: «لا يمكن الحكم بصورة نهائية على الشكل الذي ستتخذه العمليات العسكرية، أو الاتجاه الذي سيتطور نحوه النشاط العملياتي الإسرائيلي. قد نكون أمام مجموعة أنشطة متزامنة، من دون أن يكون الاحتلال الإسرائيلي محصوراً باتجاه واحد دون سواه».
ورأى حمادة أن «العامل الحرج اليوم هو أن اتفاق الإطار غير مفعّل»، لافتاً إلى أن «الرغبة الأميركية قد تكون خلف ما تذهب إليه إسرائيل من عمليات تدمير، بهدف الضغط على الدولة اللبنانية للقبول باتفاق الإطار والذهاب إلى المناطق التجريبية والاتفاق على معايير التحقق، باعتبار أن ذلك، وفق الاتفاق، هو السبيل لإنهاء سلاح (حزب الله)».
وأضاف: «في المقابل، تتصرف إسرائيل في هذه المرحلة على أساس أن أي مكان في الجنوب قد يكون مرشحاً لاعتباره بنية تحتية لـ(حزب الله)، وبالتالي استهدافه وتدميره».
وتوقف حمادة عند اقتراب انتهاء مهمة «اليونيفيل»، قائلاً: «نحن أمام استحقاق داهم يتعلق بانسحاب قوات اليونيفيل، وأعتقد أن إسرائيل قد تسعى إلى الإمساك بهذه النقاط وتحويلها إلى مواقع ثابتة. بمعنى آخر، قد يتحول الانتشار العملاني الحالي إلى ما يمكن تسميته بشريط محتل في الجنوب اللبناني».
وعن المنصوري، قال: «المنطقة تشرف على المحور الغربي وعلى مدينة صور، والإمساك بها ومنع عودة الأهالي إليها بعد تدميرها يتيح لإسرائيل تحويلها إلى موقع عسكري يشرف على مدينة صور وعلى المحور الساحلي»، لافتاً إلى أن «إسرائيل لم تذكر وجود بنية تحتية لـ(حزب الله) في منطقة المنصوري».
وتابع حمادة: «منطقة الاحتلال تبقى مرشحة للتوسع، إذ يمكن تطوير العمليات العسكرية باتجاه سجد وإقليم التفاح، وقد يصبح تهجير أهالي النبطية أحد عوامل الضغط التي تعتمدها إسرائيل لدفع الدولة اللبنانية أكثر نحو تطبيق اتفاق الإطار».
ورأى أن أحد الاحتمالات المطروحة يتمثل في «احتلال المواقع التي تنتشر فيها اليوم قوات اليونيفيل، ومحاولة السيطرة على النقاط الحاكمة، بحيث يؤدي تهجير السكان منها إلى تحويلها إلى مواقع عسكرية آمنة وثابتة للجيش الإسرائيلي».
تصعيد مستمرّ
وفي موازاة ذلك، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في بلدات ميس الجبل ومجدل زون وزوطر الشرقية، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف وادي السلوقي وعدداً من المنازل في الأطراف الغربية لميس الجبل. كما أطلقت دبابة «ميركافا» متمركزة في بلدة البياضة قذائف مدفعية باتجاه بلدة المنصوري.




