لا تغير في حركة سفن البضائع بمضيق هرمز


دخلت سوق السندات اليابانية مرحلة جديدة، الثلاثاء، بعدما بلغ عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ سبتمبر (أيلول) 1996، في تحول رمزي وفعلي يعكس نهاية حقبة طويلة من الفائدة المنخفضة ويضع المالية العامة اليابانية تحت ضغط متزايد.
وجاء صعود العائد وسط موجة بيع أوسع في أسواق الدين العالمية، مع ارتفاع أسعار النفط بفعل استمرار التوتر في الشرق الأوسط، وتصاعد التوقعات بأن البنوك المركزية قد تضطر إلى تشديد السياسة النقدية بوتيرة أسرع من المتوقع.
وفي اليابان، ارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى 3 في المائة قبل أن يتراجع قليلاً إلى 2.995 في المائة بعد مزاد أظهر طلباً قوياً. كما سجل عائد السندات لأجل خمس سنوات مستوى قياسياً بلغ 2.265 في المائة، بينما وصل عائد السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوى في 31 عاماً عند 1.795 في المائة.
وهذه المستويات لا تمثل مجرد تحرك فني في السوق، فعائد الـ10 سنوات تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال عامين، ما يعني أن تكلفة التمويل التي كانت شديدة الانخفاض أصبحت اليوم عاملاً مركزياً في حسابات الحكومة والشركات والأسر.
ويُستخدم عائد السندات لأجل عشر سنوات معياراً لتسعير الرهون العقارية والقروض وتمويل الشركات، وبالتالي فإن استقراره قرب 3 في المائة يمكن أن ينعكس تدريجياً على تكاليف الاقتراض في الاقتصاد بأكمله.
وتزداد حساسية الوضع لأن اليابان تحمل أكبر عبء دين عام بين الاقتصادات المتقدمة، إذ يتجاوز الدين 200 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكل ارتفاع مستدام في متوسط تكلفة التمويل قد يترجم إلى زيادة ضخمة في مدفوعات الفائدة مع مرور الوقت.
وقد اعتمدت الحكومة بالفعل افتراضاً لعائد طويل الأجل عند 3 في المائة عند حساب تكاليف خدمة الدين في موازنة السنة المالية 2026. وبالتالي، فإن تجاوز هذا المستوى لفترة طويلة سيضع مزيداً من الضغوط على المالية العامة.
ويأتي ذلك فيما تتوقع السوق طلبات موازنة قياسية للسنة المالية المقبلة، في ظل توجه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى زيادة الاستثمار في قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وهنا يظهر مصدر القلق الأساسي لدى المستثمرين؛ وهل تستطيع الحكومة الجمع بين سياسة إنفاق توسعية وانضباط مالي في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض؟
وقال ريوتارو كيمورا، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في «بي إن بي لإدارة الأصول»، إن ارتفاع العوائد يحمل رسالة تحذير من سوق السندات تجاه التوسع المالي، مضيفاً أن المستثمرين باتوا يظهرون نوعاً من الاستسلام أمام حقيقة صعود أسعار الفائدة.
لكن مزاد السندات لأجل عشر سنوات قدم قدراً من الطمأنينة، فقد أدى الطلب القوي إلى منع العائد من الاستقرار فوق 3 في المائة مباشرة، ما يشير إلى أن هذا المستوى قد يجذب مستثمرين يرونه فرصة بعد سنوات طويلة من العوائد شبه الصفرية.
ورأى كيمورا أن 3 في المائة تمثل عتبة نفسية مهمة يمكن أن تستقطب طلباً جديداً، مرجحاً أن تتحرك العوائد لفترة حول هذا المستوى إذا استمر الطلب في المزادات المقبلة.
* بنك اليابان في قلب المعادلة
لا يمكن فصل حركة السندات عن السياسة النقدية. فالأسواق تسعر حالياً بدرجة شبه كاملة رفع بنك اليابان أسعار الفائدة خلال اجتماعه هذا الشهر، بعدما تصاعدت الضغوط التضخمية واستمر الين قرب مستويات ضعيفة تاريخياً.
ويرى المستثمرون أن البنك المركزي قد يضطر إلى تسريع دورة التشديد، خصوصاً مع الانتقادات بأنه كان متأخراً في تطبيع السياسة بعد سنوات من التيسير الاستثنائي.
كما أن تراجع بنك اليابان تدريجياً عن مشترياته الضخمة من السندات يعني أن السوق باتت مطالبة باستيعاب حصة أكبر من الإصدارات الحكومية من دون الاعتماد على المشتري الأكبر السابق.
وهذا التغيير يرفع ما يسمى بعلاوة الأجل، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمر مقابل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل في بيئة تتسم بعدم اليقين المالي والتضخمي.
وتجاوزت الضغوط حدود اليابان، فقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 4.786 في المائة في التعاملات الآسيوية، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، فيما وصل عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات إلى 3.34 في المائة، وهو الأعلى منذ 2011.
وقال ماساهيكو لو، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في «ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت»، إن المستثمرين يطالبون بتعويض أكبر مقابل حيازة الديون طويلة الأجل، لأن الحكومات والشركات تتنافس على المجموعة نفسها من رؤوس الأموال.
وتضيف طفرة تمويل الذكاء الاصطناعي بعداً آخر، مع اندفاع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى إصدار سندات لتمويل مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وهذا يزيد المعروض العالمي من الديون في وقت تجاوز فيه الدين الأميركي 40 تريليون دولار.
* لماذا يهم العالم ارتفاع العوائد اليابانية؟
لسنوات، كانت العوائد المنخفضة في اليابان تدفع المستثمرين المحليين، من البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد، إلى البحث عن عوائد أعلى في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا.
لكن إذا أصبحت السندات اليابانية تقدم عوائد قريبة من 3 في المائة أو أعلى، فقد تصبح إعادة الأموال إلى الداخل أكثر جاذبية.
وقال براشانت نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في «تي دي سيكيوريتيز»، إن ارتفاع العوائد يمكن أن يدفع تدريجياً إلى إعادة تخصيص الأموال نحو الأصول اليابانية، واصفاً ما يحدث بأنه «تغير في النظام».
وهذا السيناريو مهم عالمياً، لأن انخفاض الطلب الياباني على السندات الأجنبية قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في العوائد الأميركية والأوروبية والأسترالية.
* الأسهم تحت ضغط العوائد
في سوق الأسهم، ظهر أثر ارتفاع تكلفة رأس المال بوضوح على الشركات التكنولوجية. وانخفض مؤشر «نيكي» 0.2 في المائة إلى 66215.34 نقطة، بينما ارتفع «توبكس» الأوسع 0.6 في المائة.
وتراجعت «طوكيو إلكترون» 2.6 في المائة، كما هبطت «فوروكاوا إلكتريك» 4 في المائة و«فوجيكورا» 3.7 في المائة، في ظل ضغوط على أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي تكون تقييماتها أكثر حساسية لارتفاع العوائد.
وفي المقابل، استفادت بعض القطاعات التقليدية. فقد ارتفعت «تويوتا» قرابة 3 في المائة، وصعدت «نيسان» 3.2 في المائة، في إشارة إلى تدوير السيولة من أسهم النمو المرتفعة التقييم نحو قطاعات القيمة.
وقال واتارو أكياما، استراتيجي «نومورا»، إن السوق تشهد تحولاً قطاعياً قصير الأجل، لكنه يرى أن الاتجاه الأساسي للأسهم اليابانية لا يزال إيجابياً.
ومع ذلك، فإن الصورة الكبرى باتت مرتبطة بسوق السندات أكثر من أي وقت مضى. فإذا استقر عائد الـ10 سنوات فوق 3 في المائة وواصل بنك اليابان رفع الفائدة، ستواجه الحكومة والشركات والمستثمرون بيئة تمويل تختلف جذرياً عن تلك التي اعتادوها طوال العقود الماضية.
ولهذا فإن اختراق مستوى 3 في المائة لا يمثل مجرد رقم جديد في شاشة التداول، بل إشارة إلى انتقال اليابان من عصر المال الرخيص إلى عصر تعود فيه تكلفة الدين لتصبح محدداً رئيسياً للسياسة المالية والأسواق، مع تداعيات تمتد إلى أسواق السندات والأسهم حول العالم.




