فن

لماذا تتحول مشروعات تطوير الشوارع والحدائق في مصر إلى مصدر للقلق؟


رغم المفهوم الإيجابي الذي يحمله مصطلح «مشروعات التطوير»، فإن ثمة مشروعات جديدة في مصر تثير القلق، بدلاً من أن تبعث الأمل في تحسين الحياة اليومية.

ويسارع مصريون إلى التعبير عن قلقهم عبر «السوشيال ميديا» مع كل إعلان جديد عن مشروع لتطوير ميدان أو شارع أو حديقة عامة. ويرتبط هذا القلق، في الغالب، بإزالة المساحات الخضراء وإحلال منشآت تجارية وخدمية محلها، إلى درجة أن بعض المصريين يرون أن كلمة «التطوير» باتت مرادفاً لقطع الأشجار وإنشاء المحال التجارية.

ويرتبط هذا القلق في الغالب بإزالة المساحات الخضراء وإحلالها بمنشآت تجارية وخدمية، لدرجة أن بعض المصريين يعدون أن كلمة التطوير باتت مرادفاً لقطع الأشجار وإنشاء المحال التجارية.

«ممشى أهل مصر» جهة الزمالك (الشرق الأوسط)

ويُعد مشروع تطوير شارع جامعة الدول العربية، في حي المهندسين بمحافظة الجيزة، من أحدث المشروعات التي نالت نصيباً كبيراً من الانتقادات، بالتزامن مع رصد إزالة بعض الأشجار من الشارع، الذي يعاني أصلاً نقصاً حاداً في المساحات الخضراء.

وتخشى هبة محمد، وهي سيدة ستينية تقيم في حي المهندسين، أن تؤدي أعمال التطوير الجارية في شارع جامعة الدول العربية إلى إزالة مزيد مما تبقى من أشجاره، بعدما أُعيد تخطيطه وتوسيعه مرات عدة خلال السنوات الماضية لاستيعاب أعداد أكبر من السيارات، خصوصاً بعد تشغيل محطة «جامعة الدول» ضمن الخط الأخضر لمترو الأنفاق.

وتقول هبة لـ«الشرق الأوسط»: «شهد الشارع، خلال السنوات التي سبقت بدء تنفيذ مشروع مترو الأنفاق، عملية تطوير واسعة، وتحولت المساحات التي تضم الأشجار إلى ما يشبه حديقة مفتوحة. لكن هذا الوضع لم يستمر سوى أقل من عام قبل بدء إزالة الأشجار وتعديل الحركة المرورية فيه. ومع إعادة افتتاح الشارع بعد إغلاق استمر أكثر من 6 سنوات، تحولت غالبية المساحات التي كانت تشغلها الأشجار إلى ساحات لانتظار السيارات وتوسعة الطريق».

«ممشى أهل مصر» في القاهرة (الشرق الأوسط)

ومن بين المشروعات التي واجهت انتقادات خلال السنوات الماضية مشروع «ممشى أهل مصر» في جزيرة الزمالك. ففي عام 2022، شارك الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى في وقفة احتجاجية للمطالبة بوقف أعمال إزالة الأشجار المطلة على ضفاف النيل وردم أجزاء منه، من أجل إقامة مرأب للسيارات في شارع سراي الجزيرة بطول 300 متر.

كما تركزت الانتقادات الموجهة إلى مشروع تطوير حديقة الميريلاند في مصر الجديدة (شرق القاهرة)، قبل سنوات عدَّة، على مخاوف من فقدان الحديقة طابعها التراثي والبيئي، إلى جانب قطع الأشجار المعمرة وتقليص المساحات الخضراء لصالح الأنشطة التجارية والمشروعات الخدمية. وتكررت المخاوف نفسها خلال تطوير حدائق المنتزه في الإسكندرية، وكثير من الحدائق والميادين العامة الأخرى في المحافظات.

وأثارت دعوة هيئة الأوقاف المصرية، في 6 أغسطس (آب) الحالي، شركات التطوير العقاري الكبرى إلى «الاستغلال الأمثل لكامل حديقة روض الفرج» بمحافظة القاهرة، جدلاً وقلقاً بين سكان المنطقة ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. وعبّر بعضهم عن مخاوف جدية من إزالة الحديقة، التي تُعد المتنفس الأخضر الوحيد لسكان المنطقة، من أجل إنشاء أبراج سكنية شاهقة.

مصريون انتقدوا ردم أجزاء من النيل ضمن مشروع إنشاء «ممشى أهل مصر» (الشرق الأوسط)

وتعرض مشروعا تطوير حديقتي الحيوان والأورمان بالجيزة لانتقادات متكررة بسبب إزالة كثير من الأشجار داخل الحديقتين العريقتين. ورصدت «الشرق الأوسط» إزالة بعض أشجار الحزام الأخضر لحديقة الأورمان من جهة جامعة القاهرة، إلى جانب إنشاء عدد من المباني وسط الحديقة النباتية الفسيحة.

وتتضمن أعمال التطوير إنشاء نفق يربط الحديقتين لاستعادة الاتصال بينهما كما كان عند تأسيسهما، إلى جانب تطوير مناطق عرض الحيوانات، ومنها السافانا الأفريقية والمنطقة الآسيوية، وترميم عدد من المباني والمنشآت التاريخية البارزة، وفق بيان سابق لمجلس الوزراء.

وعلى الرغم من التطمينات الحكومية المتلاحقة، عبّر متابعون عن قلقهم من تقليص المساحات الخضراء لصالح المنشآت الاستثمارية.

لكن عضو لجنة الإدارة المحلية في مجلس النواب (البرلمان)، محمد حفني الصافي، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «تهدف غالبية المشروعات التي تنفذها الحكومة إلى التيسير على المواطنين وحل مشكلات متراكمة. وبالتالي، فإن كل خطة تطوير يجري تنفيذها قد تترتب عليها بعض الأضرار، لكن فوائدها تكون أكبر في المقابل».

شارع جامعة الدول العربية يعاني من نقص حاد في الأشجار (الشرق الأوسط)

وأضاف الصافي: «شارع جامعة الدول، على سبيل المثال، لم يعد يشهد اختناقات مرورية بعد تنفيذ مشروع التطوير، في وقت تعمل فيه الحكومة على زيادة عدد الأشجار المزروعة في المنطقة المحيطة، تعويضاً عن الأشجار التي أُزيل بعضها أو نُقل إلى مواقع أخرى».

كما واجه مشروع إعادة تخطيط ميدان رمسيس، وسط القاهرة، انتقادات بالتزامن مع تنفيذ توسعات في جسر أكتوبر استلزمت إزالة أحد المباني التراثية التابعة لهيئة السكك الحديدية.

وعزت أستاذة علم الاجتماع هالة منصور الانتقادات والجدل المصاحبين للإعلان عن مشروعات التطوير إلى عدم كفاية المعلومات المتعلقة بالرؤية الشاملة المستهدفة، بالإضافة إلى الخبرات السلبية المتراكمة التي يجري استدعاؤها مع كل مشروع جديد.

وقالت منصور لـ«الشرق الأوسط»: «يتطلب نجاح أي عملية تطوير مشاركة المواطنين مع صنّاع القرار قبل الإعلان عن صورتها النهائية، إلى جانب الفهم الجيد للاحتياجات، وترتيب البدائل، وشرح الجدول الزمني للتنفيذ، الذي سيتطلب بالتأكيد تحمّل بعض الصعوبات».

واتهمت منصور بعض منتقدي مشروعات التطوير بـ«التربص» بالخطط الحكومية وتشويهها.

ويشير عضو مجلس النواب ضياء الدين داود إلى أن بعض أزمات مشروعات التطوير ترتبط بعدم وضوح الجداول الزمنية للتنفيذ، وغياب آليات تضمن استدامة نتائج التطوير.

«ممشى أهل مصر» في القاهرة (الشرق الأوسط)

وأضاف داود، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض مخططات التطوير تفتقر إلى جدول زمني واضح، على غرار مشروع (حياة كريمة) لتطوير قرى الريف المصري، الذي بدأت الحكومة تنفيذه منذ سنوات، ولم تنته مرحلته الأولى حتى الآن، رغم أهميته البالغة».

ولا يتجاوز نصيب المواطن المقيم في القاهرة الكبرى من المساحات الخضراء بضعة سنتيمترات مربعة، في حين تشير تقارير حكومية إلى الحاجة الملحّة لزيادة هذا المعدل من أجل تحسين جودة الحياة.

ويلفت أستاذ التخطيط العمراني سيف الدين فرج إلى ضرورة عمل الحكومة بالتوازي على مساري «التطوير» و«الصيانة»، لافتاً إلى أن غياب الصيانة سيؤدي إلى سرعة تدهور نتائج أي عملية تطوير. وشدد على أن الانتقادات التي ينبغي أخذها في الاعتبار هي تلك الصادرة عن مختصين، لا عن مستخدمي «السوشيال ميديا».



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى