ميركل تكشف عن تصفحها «إنستغرام»… وتبدي استغرابها من الخوارزميات

أثارت جنازة الجنرال المنتمي لصرب البوسنة راتكو ملاديتش، الجدل، وسط تنديد أوروبي بحضور الآلاف مراسم تشييعه، بعد أن توفي الأسبوع الماضي أثناء قضاء عقوبة السجن المؤبد بتهمة الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وعرف باسم «جزار البوسنة».
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الثلاثاء، إن الصور التي أظهرت الحضور الواسع بجنازة ملاديتش كانت «صادمة»، وأضافت أنها ربما تقوض خطط صربيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وكتبت فون دير لاين على منصة «إكس»: «كانت صور جنازة راتكو ملاديتش في بلغراد صادمة»، وهو موقف عبَّر عنه أيضاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.
The images from Ratko Mladić’s funeral yesterday in Belgrade were shocking.Ratko Mladić was a convicted war criminal. He was responsible for genocide, war crimes, and crimes against humanity. He died while serving a life sentence for the Srebrenica genocide and other crimes….
— Ursula von der Leyen (@vonderleyen) September 8, 2026
وأضافت فون دير لاين: «إن مظاهر الدعم الرسمي وحضور بعض كبار المسؤولين الصرب في الجنازة أمر يدعو للأسف. فهي تدل على الفشل في مواجهة فصل مظلم من تاريخ أوروبا الحديث ،وتتعارض مع القيم التي يقوم عليها مسار صربيا نحو الاتحاد الأوروبي».
ووصف مفوض الأمم المتحدة السامي السابق لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين ملاديتش بأنه «التجسيد الكامل للشر» عقب إدانته.
لكنّ إرثه لا يزال يثير انقساماً داخل صربيا والكيان ذي الغالبية الصربية في البوسنة؛ إذ لا يزال بعض الصرب ينظرون إليه بوصفه بطلاً.
ورفض الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش الاتهامات الموجهة لبلاده بـ«تمجيد» الجنرال السابق، مؤكداً أن المراسم ستقتصر على تلبيات رغبات العائلة.
أدان دينيس بيتشيروفيتش، العضو البوسني في الرئاسة الثلاثية للبلاد، ما وصفه بـ«تماهي قادة صربيا مع واحد من أسوأ القتلة في التاريخ الأوروبي». وكتب بيتشيروفيتش على «فيسبوك»، الجمعة: «سيكون لهذا الأمر عواقب لا يمكن التنبؤ بها على مستقبل المنطقة بأسرها».
جنازة كبيرة
وتجمعت الحشود بالأمس حاملة الأعلام الصربية وصور ملاديتش وهو يرتدي قبعة عسكرية صربية تقليدية، خارج الكنيسة في إحدى ضواحي بلغراد، حيث باشر رأس الكنيسة الأرثوذكسية في البلاد، البطريرك بورفيري، القداس. واستُقبل نعشه في بلغراد بتشريفات عسكرية، بعد أن نُقل على متن طائرة حكومية ملفوفاً بالأعلام، ثم نُقل في موكب سيارات إلى داخل العاصمة، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال داركو ملاديتش، نجل راتكو ملاديتش، خلال مؤتمر صحافي إلى جانب وزير العدل الصربي، الجمعة: «أقول أمام العالم كله إنني فخور بالدور الذي أداه والدي».
وطاف نعش ملاديتش، محاطاً بجنود مسلحين يرتدون الزي العسكري، تصحبه فرقة موسيقية نحاسية، شوارع اكتظت بالمودّعين الذين هتفوا باسمه. ودُفن في مقبرة قريبة بجوار ابنته، التي توفيت عام 1994.
جرائم الحرب
وقد أمضى ملاديتش سنواته الأخيرة في تنفيذ عقوبة السجن مدى الحياة في لاهاي، على خلفية إدانته بارتكاب جرائم حرب في البوسنة، قالت المحكمة الجنائية الدولية إنها «من أبشع الجرائم المعروفة للبشرية».
وشملت الجرائم التي أدين بها واحدة من أسوأ الفظائع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وهي مجزرة سريبرينيتسا عام 1995 التي قُتل فيها نحو ثمانية آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة، والتي خلصت المحكمة إلى أنها كانت عملية إبادة جماعية دبّرها القائد العسكري ملاديتش وحليفه السياسي رادوفان كارادجيتش.

جسّد ملاديتش الوجه العسكري لثلاثي شهير ضمّه إلى الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش وزعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كاراديتش، إبان انزلاق يوغوسلافيا السابقة نحو حمام دم عقب سقوط الشيوعية.
كما أدين باضطهاد وتهجير المسلمين والكروات البوسنيين، وترويع المدنيين خلال حصار ساراييفو، واحتجاز عناصر من قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة رهائن أثناء الغارات الجوية لحلف «ناتو» عام 1995.
ملاديتش من «حامٍ للصرب» إلى دماء «سريبرينيتسا»
لطالما روّج ملاديتش لنفسه على أنه «رجل بسيط» اختير لحماية شعبه، مقدماً نفسه على أنه حامي الصرب.
وقال خلال جلسة استئناف في عام 2020: «لقد وضعني القدر في موقع الدفاع عن بلدي الذي دمّرتموه أنتم، القوى الغربية، بمساعدة الفاتيكان والمافيا الغربية».
وقد أشرف لأكثر من ثلاث سنوات على حصار العاصمة البوسنية سراييفو، حيث تسببت رصاصات قناصيه وقذائف مدفعيته في مقتل آلاف الرجال والنساء والأطفال في الشوارع وداخل منازلهم.
وقديماً، أظهرت لقطات مصوّرة من سريبرينيتسا، ملاديتش وهو يُطمئن فتى مسلماً يبلغ 12 عاماً، قبل وقت قصير من قتل قواته آلاف المدنيين.
وفي الفترة نفسها تقريباً، ظهر في تسجيل آخر وهو يعود إلى سريبرينيتسا الخالية من سكانها، قائلاً أمام الكاميرا: «نمنح هذه المدينة للشعب الصربي هدية».

وشكّل ملاديتش مع كارادجيتش والرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش ثلاثياً قومياً صربياً أطلق موجة من أعمال القتل على أسس عرقية في محاولة لإعادة رسم خريطة المنطقة.
فبينما كان كارادجيتش العقل الآيديولوجي وميلوشيفيتش السياسي المحنك، كان ملاديتش العسكري الذي أتقن خوض الحروب وجعل منها مجاله الرئيسي.
«نرجسي ومغرور»
طبعت الصراعات حياة ملاديتش منذ نعومة أظفاره؛ فقد وُلد خلال الحرب العالمية الثانية في بلدة كالينوفيك بشرق البوسنة.
وتشير معظم الروايات إلى أن ذلك كان عام 1942، إلا أن ملاديتش أبلغ المحكمة بأنه وُلد في الواقع عام 1943.
وقُتل والده في الأيام الأخيرة من الحرب وهو يقاتل في صفوف المارشال جوزيف بروز تيتو، الزعيم الذي نجح لاحقاً في توحيد دولة يوغوسلافيا متعددة القوميات وكبح العداوات الكامنة بين مكوناتها.
وحسب معظم الروايات، كان ملاديتش يطمح دائماً إلى أن يصبح عسكرياً.

وغادر إلى بلغراد في أوائل ستينات القرن الماضي لتلقي التدريب العسكري، وأصبح ضابطاً في سن الثانية والعشرين، قبل أن يرتقي لاحقاً إلى قيادة قوات صرب البوسنة خلال الحرب.
ورغم أن جنوده كانوا ينظرون إليه بإعجاب كبير، فإن المتحدث السابق باسم الجيش اليوغوسلافي ليوبودراغ ستويادينوفيتش وصفه ذات مرة بأنه «نرجسي ومغرور ومهووس بذاته ومتغطرس».
وخلال الحرب، حيّر المفاوضين الدوليين بخطب مطولة ومتشعبة مليئة بالانفعالات حول التاريخ الصربي.
وفي الأيام الأخيرة من الحرب، بدأ مقربون منه يشككون في سلامة قدراته الذهنية.
وقال الرئيس المونتينيغري السابق الراحل مومير بولاتوفيتش في فيلم وثائقي أعدته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تسعينات القرن الماضي: «كنت أحترم الجنرال ملاديتش العسكري والإنسان، لكن بعد ثلاث سنوات من الحرب، كان قد فقد صلته بالواقع».
«مجرم حرب»
أُقيل ملاديتش من منصبه بعد توجيه الاتهامات إليه عام 1995، لكنه تمكن من الإفلات من الاعتقال لمدة 16 عاماً أخرى.
وفي البداية، عاش حياة مرفهة تحت رعاية الجيش الصربي، غير أن الضغوط عليه تزايدت بعد سقوط سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2000. وأُلقي القبض عليه أخيراً في مايو (أيار) 2011 في منزل ريفي يملكه ابن عمه في شمال صربيا.
وكانت ابنته آنا قد أقدمت على الانتحار عام 1994 عن عمر ناهز 23 عاماً.
وتفيد بعض الروايات بأنها لم تستطع تحمل العار الناجم عن الجرائم التي ارتكبها والدها، إلا أن عائلة ملاديتش تنفي ذلك.
وكان آخر طلب تقدم به قبل نقله إلى المحكمة هو زيارة قبرها.
وخلال تلك السنوات، تعاظمت سمعته لدى مؤيديه، وجرى تخليد دوره في زمن الحرب عبر جداريات انتشرت في أنحاء جمهورية صرب البوسنة، الكيان الصربي داخل البوسنة.
وفي عاصمتها بانيا لوكا، وبُعيد انتشار نبأ الوفاة، شارك آلاف الأشخاص في وقفات تكريمية للرجل المدان بجرائم حرب، ساروا خلالها خلف لافتة كُتب عليها: «أيها القائد… شكراً لك على كل شيء».



