هجمات ترامب على الفيدرالي.. هل تصمد استقلالية أقوى بنك مركزي في العالم؟ : CNN الاقتصادية

وقضت المحكمة بأغلبية خمسة أصوات مقابل أربعة، بأن محاولة ترامب إبعاد كوك من مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي لا يمكن أن تمضي قدماً بالطريقة التي اعتمدتها الإدارة، مشيرة إلى أن محافظي الفيدرالي لا يخضعون للإقالة الرئاسية المباشرة إلا وفق قيود قانونية صارمة وبإجراءات عادلة، وفق رويترز.
ويمنح الحكم كوك انتصاراً مُهماً في معركة تحولت إلى اختبار واسع لحدود سلطة الرئيس على أحد أكثر المؤسسات الاقتصادية حساسية في العالم. لكنه لا ينهي النزاع بالكامل، إذ تبقى القضية مفتوحة أمام محاكم أدنى درجة، بينما تظل كوك في منصبها خلال استمرار الطعن القانوني.
أول محاولة رئاسية لعزل حاكم في الفيدرالي
كانت محاولة ترامب إقالة ليزا كوك، التي عيّنها الرئيس السابق جو بايدن عام 2022، أول محاولة معروفة من رئيس أميركي لعزل عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.
واستند ترامب إلى اتهامات تتعلق بمخالفات في وثائق رهن عقاري، وهي اتهامات نفتها كوك، معتبرة أن القرار كان ذريعة سياسية للضغط عليها بسبب مواقفها من أسعار الفائدة.
وشدد الحكم على أن الاتهامات غير المثبتة لا تكفي وحدها لتجاوز الحماية القانونية الممنوحة لمحافظي الفيدرالي، الذين صُممت ولاياتهم الطويلة لعزل قرارات السياسة النقدية عن الدورات الانتخابية والضغوط السياسية قصيرة الأجل، بحسب رويترز.
وتنتهي ولاية كوك في مجلس المحافظين عام 2038، ما يجعل إزاحتها المحتملة ذات أثر سياسي ومؤسسي يتجاوز مقعداً واحداً داخل البنك المركزي، خصوصاً في وقت يسعى فيه ترامب إلى إعادة تشكيل اتجاه السياسة النقدية بما يتوافق مع دعواته المتكررة لخفض أسعار الفائدة.
هجمات أوسع على الفيدرالي
لا تقف قضية كوك بمعزل عن مسار أوسع من التصعيد بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، فمنذ ولايته الأولى، هاجم ترامب علناً جيروم باول، الذي اختاره بنفسه لرئاسة الفيدرالي في 2017، متهماً إياه مراراً بالتباطؤ في خفض أسعار الفائدة.
وأصبح التصعيد أكثر حدة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، ففي وقت سابق من هذا العام، فتحت وزارة العدل تحقيقاً جنائياً مع باول على خلفية مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، في خطوة وصفها باول ومنتقدون بأنها محاولة لاستخدام أدوات إنفاذ القانون للضغط على البنك المركزي.
وعرقل قاضياً اتحادياً لاحقاً مذكرات استدعاء مرتبطة بالتحقيق، قبل أن تغلق وزارة العدل الملف في أبريل/نيسان، حسب ما ذكرت رويترز.
ورأت فايننشال تايمز ووول ستريت جورنال أن التحقيق زاد المخاوف داخل الأسواق والمؤسسات الاقتصادية من أن تصبح استقلالية الفيدرالي هدفاً مباشراً في الصراع السياسي حول أسعار الفائدة.
باول يغادر الرئاسة لا المجلس
انتهت ولاية باول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في مايو أيار 2026، بعد أن قاد البنك المركزي منذ 2018، لكنه لم يغادر المؤسسة بالكامل، إذ لا تزال ولايته كعضو في مجلس المحافظين ممتدة حتى يناير/كانون الثاني 2028، ما يمنحه دوراً مؤثراً داخل البنك، حتى بعد انتقال رئاسة الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح ترامب.

رئيس الفيدرالي السابق جيروم باول وليزا كوك (أ ف ب)
ويكتسب بقاء باول داخل المجلس دلالة سياسية واضحة، إذ يحرم البيت الأبيض من مقعد إضافي كان يمكن استخدامه لتسريع إعادة تشكيل مجلس المحافظين، كما أنه يضع داخل المؤسسة صوتاً ارتبط طوال السنوات الماضية بالدفاع عن استقلالية القرار النقدي في مواجهة ضغوط البيت الأبيض.
أسعار الفائدة في قلب الصراع
تتمحور المواجهة بين ترامب والفيدرالي حول أسعار الفائدة؛ فالرئيس الأميركي يرى أن خفض الفائدة ضروري لدعم النمو والأسواق وخفض تكاليف الاقتراض، بينما يصر مسؤولو البنك المركزي على أن قراراتهم يجب أن تستند إلى بيانات التضخم وسوق العمل لا إلى الحسابات السياسية.
وفي أول اجتماع رئيسي للفيدرالي تحت قيادة كيفن وورش، أبقى البنك المركزي سعر الفائدة في نطاق 3.50% إلى 3.75%، بحسب رويترز، بينما أظهرت توقعات صانعي السياسة أن عدداً متزايداً منهم يرى احتمال رفع الفائدة لاحقاً هذا العام إذا استمرت الضغوط التضخمية.
يرى الخبراء المصرفيون أن هذا التوجه يضع الإدارة الأميركية أمام معضلة سياسية واقتصادية؛ فمحاولة الضغط على الفيدرالي قد تمنح ترامب خطاباً شعبياً ضد أسعار الفائدة المرتفعة، لكنها في الوقت نفسه تهدد ثقة المستثمرين في استقلال البنك المركزي، وهي الثقة التي تُعد ركناً أساسياً لاستقرار الدولار وسوق السندات الأميركية.
حكم يرسم استثناء الفيدرالي
يبرز حكم كوك باعتباره محاولة من المحكمة العليا لرسم خط فاصل بين صلاحيات الرئيس الواسعة على بعض الهيئات التنظيمية وبين الوضع الخاص للاحتياطي الفيدرالي، ففي الوقت الذي منحت فيه المحكمة ترامب مساحة أوسع لإقالة مسؤولين في وكالات أخرى، تعاملت مع الفيدرالي باعتباره مؤسسة ذات طبيعة مختلفة بسبب دوره المباشر في إدارة السياسة النقدية وحماية الاستقرار المالي.
وتقول وول ستريت جورنال إن قضية كوك تحولت إلى واحدة من أهم المعارك القانونية في تاريخ الفيدرالي الحديث، لأنها لا تتعلق فقط بمستقبل حاكمة واحدة، بل بما إذا كان الرئيس يستطيع عملياً تحويل مجلس المحافظين إلى هيئة خاضعة لإرادة البيت الأبيض.
أما بزنس إنسايدر فاعتبر أن الحكم يمثل خسارة جديدة لترامب في معركته مع البنك المركزي، لكنه لا ينهي محاولاته للضغط على المؤسسة، سواء من خلال التعيينات المقبلة أو عبر الهجوم السياسي العلني على مسؤولي الفيدرالي.
استقلال الفيدرالي أمام اختبار مستمر
رغم انتصار كوك، لا تزال استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أمام اختبار مفتوح؛ فترامب يمتلك أدوات سياسية مهمة، من بينها ترشيح أعضاء جدد عند شغور المقاعد، والتأثير في النقاش العام حول أسعار الفائدة، ومواصلة الضغط على القيادة الحالية للبنك.
ويتوقع الخبراء المصرفيون أن الحكم الأخير سيضع حدوداً قانونية واضحة أمام استخدام سلطة العزل لإعادة تشكيل السياسة النقدية، وبالنسبة للأسواق، فإن الرسالة الأهم هي أن المحكمة العليا، رغم ميلها إلى توسيع صلاحيات الرئيس في ملفات أخرى، لا تزال ترى في الفيدرالي استثناءً مؤسسياً يستحق حماية أقوى.
وبذلك، تتحول قضية ليزا كوك من نزاع قانوني حول مزاعم رهن عقاري إلى معركة أوسع حول من يملك الكلمة الأخيرة في السياسة النقدية الأميركية: البيت الأبيض أم بنك مركزي صُمم ليقف على مسافة من السياسة اليومية.




