شؤون عربية ودولية

34 تريليون دولار من الثروة الورقية.. هل أصبح المستهلك الأميركي رهينة لأسهم الذكاء الاصطناعي؟ : CNN الاقتصادية



طفرة الأسواق تعيد تشكيل محركات الاستهلاك الأميركي، لكن تركز المكاسب لدى الأثرياء يثير تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد على تحمل هبوط حاد في أسهم التكنولوجيا، حيث لم تعد المخاطر المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة مقتصرة على تقييمات شركات التكنولوجيا أو قدرة استثمارات مراكز البيانات على تحقيق عوائد مجزية، بل باتت تمتد إلى أحد أهم محركات الاقتصاد الأميركي: الإنفاق الاستهلاكي.

فمنذ أواخر عام 2022، ارتفعت قيمة حيازات الأسر الأميركية من الأسهم بنحو 34 تريليون دولار، بحسب تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز، الاثنين 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في موجة مكاسب غذّتها بدرجة كبيرة توقعات الأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتشير بعض النماذج الاقتصادية التي استعرضتها الصحيفة إلى أن تأثير الثروة الناجم عن ارتفاع الأسواق قد يفسر ما يصل إلى 40% من نمو الاستهلاك، ما يفتح الباب أمام تساؤل أكثر خطورة، وهو هل بات الاقتصاد الأميركي يعتمد على استمرار صعود وول ستريت للحفاظ على قوة إنفاق المستهلكين؟

من أرباح البورصة إلى المتاجر والمطاعم

تنتقل مكاسب الأسهم إلى الاقتصاد الحقيقي عبر ما يعرف بـ«تأثير الثروة»، إذ يشعر المستثمرون بقدرة مالية أكبر عندما ترتفع قيمة محافظهم الاستثمارية، حتى دون بيع الأسهم وتحويل الأرباح إلى سيولة.

وقد يدفع ذلك الأسر إلى زيادة الإنفاق على السفر والسيارات والخدمات والسلع مرتفعة التكلفة، أو خفض مدخراتها اعتماداً على نمو أصولها المالية.

وتكشف أحدث بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن صافي ثروة الأسر والمؤسسات غير الربحية الأميركية بلغ 195.9 تريليون دولار بنهاية الربع الثاني من 2026، بعدما ارتفع بنحو 12.8 تريليون دولار خلال ثلاثة أشهر، مدفوعاً أساساً بمكاسب الأسهم.

وفي المقابل، أظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الاسمي بنسبة 0.9% خلال أغسطس/آب، بينما استقر معدل الادخار عند 4.1% من الدخل المتاح، بما يعكس استمرار قوة الطلب رغم ضغوط الأسعار.

الأثرياء يمتلكون الأسهم.. والاقتصاد يعتمد على إنفاقهم

تكمن المفارقة في أن مكاسب الأسهم ليست موزعة بالتساوي بين الأسر الأميركية.

فبحسب حسابات تستند إلى بيانات الاحتياطي الفيدرالي للربع الثاني من 2026، يمتلك أغنى 10% من الأسر نحو 85% من قيمة الأسهم وحصص صناديق الاستثمار، بينما لا تتجاوز حصة النصف الأقل ثراءً 1% تقريباً.

وهذا التفاوت يمنح أصحاب الثروات الكبيرة دوراً متزايداً في دعم الاستهلاك، لكنه لا يعني أنهم ينفقون نسبة مماثلة من مكاسبهم.

فقد خلص بحث نشره الاحتياطي الفدرالي في أغسطس/آب 2025 إلى أن أصحاب الدخول الأعلى، ضمن شريحة 20%، يزيدون إنفاقهم بنحو 0.8 سنت لكل دولار إضافي من الثروة، مقارنة بنحو 7.5 سنت لدى شريحة 80% الأقل دخلاً، بينما يبلغ المتوسط الكلي نحو 3.3 إلى 3.5 سنت. وهذه تقديرات للثروة عموماً، وليست للأسهم حصراً.

وتشير هذه النتائج إلى أن تركز الثروة يخفف الأثر الاستهلاكي المباشر لكل دولار من مكاسب البورصة، لكنه يجعل الطلب على الخدمات والسلع الفاخرة أكثر حساسية لتقلبات المحافظ الاستثمارية.

الذكاء الاصطناعي.. محركان للنمو لا محرك واحد

تقدر فايننشال تايمز المساهمة المباشرة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي بنحو 0.6 نقطة مئوية في نمو الناتج الأميركي، من خلال الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات والمعدات والبنية التحتية.

لكن القناة غير المباشرة قد تكون أوسع، إذ تغذي توقعات أرباح شركات التكنولوجيا أسعار الأسهم، وترفع ثروة الأسر، وتدعم الإنفاق الاستهلاكي.

ويعني ذلك أن طفرة الذكاء الاصطناعي تساند النمو عبر قناتين مختلفتين: الاستثمار الفعلي، والثروة المالية.

غير أن المساهمة الاستثمارية المباشرة تقاس ضمن حسابات الناتج، بينما تعتمد مساهمة الثروة على تقديرات سلوكية يصعب فصلها عن الدخل والائتمان والتوظيف.

وحذر تحليل لرويترز، الاثنين، من أن تركز مكاسب السوق والإنفاق الرأسمالي في مجموعة محدودة من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يزيد مخاطر انتقال أي تغير في توقعات الأرباح إلى الأسواق والاقتصاد الأوسع.

اختبار الهبوط.. ماذا لو فقدت الأسهم 20% من قيمتها؟

ويقول خبراء أسواق المال إنه لتقدير المخاطر، يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات افتراضية اعتماداً على حيازات الأسر من الأسهم وصناديق الاستثمار البالغة نحو 63.2 تريليون دولار بنهاية يونيو/حزيران 2026، وفق بيانات الاحتياطي الفدرالي المنشورة عبر بنك سانت لويس.

ويفترض التحليل انخفاض قيمة هذه الحيازات بنسبة 10% و20% و30%، مع ثلاثة مستويات لاستجابة الاستهلاك للثروة المفقودة: 1% و2% و3.5%، ولكن لا يمكن تطبيق هذه النتائج مباشرة على هبوط ناسداك وحده؛ إذ يتطلب ذلك معرفة حجم تعرض محافظ الأسر لأسهم التكنولوجيا ومدى انتقال الخسائر إلى بقية السوق.

هل تتحول أزمة التقييمات إلى أزمة استهلاك؟

يتزايد خطر انتقال تصحيح الأسهم إلى الاقتصاد الحقيقي عندما يتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف الدخل الحقيقي.

وترى مؤسسة غولدمان ساكس أن استمرار الضغوط على الأسهم قد يقلص نمو الإنفاق الاستهلاكي بنحو 0.5 نقطة مئوية إضافية خلال 2027، إذا توقفت مكاسب الأسهم، فضلاً عن أثر الفائدة المرتفعة، وفق ما نقله بيزنس إنسايدر.

ويقول الخبراء إنه إذا تراجعت تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، فقد يتباطأ الإنفاق الاستثماري وتتقلص مكاسب الثروة في الوقت نفسه، ما يضعف مصدرين للنمو بصورة متزامنة.

ويؤكد خبراء أسواق المال أن الاقتصاد الأميركي ليس رهينة كاملة لأسهم الذكاء الاصطناعي، لكنه أصبح أكثر تعرضاً لدورة الثروة المالية؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في خسارة تريليونات الدولارات على شاشات التداول، بل في تحول تلك الخسائر إلى قرارات فعلية بتقليص الاستهلاك والاستثمار.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى