400 مليون دولار لآلة واحدة.. لماذا تحتكر ASML مستقبل الرقائق الذكية؟ : CNN الاقتصادية


في قلب طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية تقف شركة هولندية لا تصمم الرقائق ولا تدير مراكز البيانات، لكنها تصنع الآلات التي يستحيل تقريباً إنتاج أكثر المعالجات تطوراً من دونها.
إنها شركة (ASML)، التي صعدت إلى صدارة الشركات الأوروبية من حيث القيمة السوقية بفضل هيمنتها على أنظمة الطباعة الحجرية المستخدمة في نقش مليارات الترانزستورات فوق رقائق السيليكون، وتصل تكلفة أحدث آلاتها إلى 400 مليون دولار للوحدة، ما يجعلها من أغلى المعدات الصناعية التي أنتجها البشر.
تعتمد عليها مصانع شركة (TSMC) التايوانية التي تنتج معالجات الذكاء الاصطناعي لصالح إنفيديا، إلى جانب شركات الذاكرة مثل سامسونغ و(SK Hynix) وميكرون، وهكذا تحولت (ASML) إلى حلقة لا غنى عنها في سلسلة تبدأ بمصانعها في هولندا وتنتهي بخوادم الذكاء الاصطناعي المنتشرة في مراكز البيانات حول العالم، وفق رويترز.
احتكار عند الحافة التكنولوجية
تنقسم أنظمة (ASML ) أساساً إلى آلات الأشعة فوق البنفسجية العميقة المعروفة اختصاراً بـ(DUV)، وآلات الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، ثم الجيل الأحدث (High-NA EUV)، أو الأنظمة ذات الفتحة العددية العالية.
تستخدم آلات (DUV)، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها نحو 60 مليون دولار، في تصنيع نطاق واسع من الرقائق المستخدمة في السيارات والمعدات الصناعية والهواتف والأجهزة الإلكترونية، وتسيطر ASML على أكثر من 80% من هذا السوق، متقدمة بفارق كبير على شركتي نيكون وكانون اليابانيتين، وفق رويترز.
أما في سوق (EUV) الأكثر تقدماً، فلا تملك الشركة منافساً تجارياً حقيقياً، وتبلغ تكلفة النظام القياسي نحو 200 مليون دولار، ويُستخدم في طباعة الطبقات الأكثر تعقيداً داخل المعالجات المتطورة ورقائق الذاكرة عالية الأداء التي تحتاج إليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتختبر إنتل وشركات أخرى الجيل الأحدث (High-NA EUV)، الذي تتراوح تكلفته التقديرية بين 350 و400 مليون دولار، ويتيح هذا الجيل طباعة مكونات أصغر حجماً بدقة أعلى، ما يمهد لإنتاج معالجات أكثر قوة وكفاءة خلال السنوات الخمس المقبلة، وفق رويترز.
ورفعت طفرة الذكاء الاصطناعي الطلب بقوة على آلات (ASML)، ولا سيما أن الشركة هي المورد الوحيد عالمياً لأنظمة (EUV) على نطاق تجاري، فيما تعتمد عليها شركات مثل (TSMC) وإنتل لتنفيذ خطط توسيع الطاقة الإنتاجية، وفق بيزنس إنسايدر.
مصنع بحجم حافلة يعمل بالنانو
لا تشبه آلة (EUV) الطابعة بالمفهوم التقليدي؛ إذ يبلغ حجمها تقريباً حجم حافلة مدرسية، ويصل وزنها إلى نحو 150 طناً، وداخل هيكلها يعمل نظام شديد التعقيد من الليزر والمرايا والمغناطيس ومنصات الحركة، بهدف رسم دوائر مجهرية فوق شرائح السيليكون بسرعة ودقة متناهية.
تعمل تقنية (EUV) باستخدام ضوء يبلغ طوله الموجي 13.5 نانومتر، مقارنة بسُمك شعرة بشرية يتراوح عادة بين 80 ألفاً و100 ألف نانومتر، وكلما قصر الطول الموجي، أمكن نقش تفاصيل أصغر وزيادة عدد الترانزستورات داخل الشريحة، بما يحسن أداء المعالج وكفاءته في استهلاك الطاقة.
ولتوليد هذا الضوء، تُطلق نحو 50 ألف قطرة دقيقة من القصدير كل ثانية داخل حجرة مفرغة من الهواء، ثم تضربها نبضات ليزر قوية، فتتحول إلى بلازما تبعث الأشعة فوق البنفسجية القصوى، وفق التفاصيل التقنية المنشورة من (ASML).
وتنتج شركة ترامبف الألمانية أنظمة الليزر، بينما توفر شركة زايس الألمانية المرايا فائقة الدقة التي تجمع الضوء وتوجهه داخل الآلة.
ويجب أن تكون أسطح تلك المرايا شديدة النعومة، لأن الضوء المستخدم تمتصه المواد العادية والهواء ولا يمكن تمريره عبر العدسات التقليدية.
في الوقت نفسه، تنقل منصات معلقة مغناطيسياً رقائق السيليكون بسرعة تتجاوز ثلاثة أمتار في الثانية، مع تسارع وتباطؤ قد يفوق 15 ضعف قوة الجاذبية، مع الحفاظ على دقة تقاس بأجزاء من النانومتر، وفق رويترز.
أربعون حاوية لنقل آلة واحدة
حتى تسليم الآلات يمثل عملية لوجستية استثنائية، تُجمع أنظمة EUV في هولندا، ثم تُفكك إلى وحدات وتوضع في نحو 40 حاوية قبل نقلها بطائرات شحن إلى مصانع العملاء.
وبعد الوصول، تحتاج فرق متخصصة إلى إعادة تركيبها ومعايرتها داخل بيئة إنتاج شديدة النظافة.
شحنت (ASML) نحو 48 نظام (EUV) خلال عام 2025، وتتوقع بيع 65 نظاماً في 2026 ونحو 85 نظاماً في 2027، مع زيادة طاقتها الإنتاجية لتلبية طلب شركات تصنيع الرقائق، كما رفعت الشركة توقعاتها لإيرادات 2026 إلى ما بين 43 و45 مليار يورو، مستفيدة من قوة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وفق رويترز.
وأصبحت أنظمة (EUV) الرئيسية للشركة شبه محجوزة بالكامل لعام 2027، وهو ما يوضح كيف يمكن لأي تأخير في إنتاج ASML أن يتحول إلى عنق زجاجة يمتد أثره إلى TSMC وإنفيديا ومشروعات مراكز البيانات العالمية.
الصين تهاجم الحلقة الأضعف
رغم تفوق (ASML) في (EUV)، تواجه الشركة تحدياً صينياً متزايداً في سوق (DUV)، وبدأت مجموعة شنغهاي آيشينغنا المدعومة من الدولة إنتاج آلات غمر بالأشعة فوق البنفسجية العميقة محلياً، مع خطط محدودة لتصنيع خمس وحدات في 2026 و20 وحدة في 2027، مقابل أكثر من 130 آلة مماثلة شحنتها (ASML) في 2025، وفق رويترز.
ولا تزال المعدات الصينية متأخرة من حيث الإنتاجية والدقة والاعتمادية، لكنها تمنح بكين بديلاً استراتيجياً إذا شددت الولايات المتحدة وحلفاؤها القيود على المعدات الغربية.
ولا يهدد التقدم الصيني احتكار (ASML) لأنظمة (EUV) حالياً، لكنه قد يؤدي تدريجياً إلى تآكل موقعها في الشرائح المتوسطة من السوق، وفق تقرير نشرته بيزنس إنسايدر.
وتُحظر صادرات أنظمة (EUV) إلى الصين منذ سنوات، كما وسعت هولندا قيودها لتشمل بعض آلات (DUV) المتقدمة تحت ضغط أميركي.
وأوضحت ذا غارديان أن واشنطن تنظر إلى معدات الطباعة المتطورة باعتبارها نقطة اختناق يمكن استخدامها لإبطاء قدرة الصين على تصنيع الرقائق المخصصة للذكاء الاصطناعي والتطبيقات العسكرية.
وتعمل شركات صينية على تحديث آلات (ASML) الأقدم واستغلالها لإنتاج رقائق أكثر تقدماً، ما يُظهر أن القيود رفعت تكاليف التصنيع الصيني من دون أن توقف مساعي بكين بصورة كاملة، وفق فايننشال تايمز.
وأبقت القيود الغربية الصين محرومة من أحدث أنظمة EUV، لكنها عززت في الوقت نفسه دوافعها لبناء سلسلة توريد محلية، وفق وول ستريت جورنال.
رهان الذكاء الاصطناعي على شركة واحدة
تكمن قوة (ASML) في شبكة هندسية تكونت خلال عقود، وتضم آلاف الموردين وتقنيات بالغة التخصص في البصريات والليزر والبرمجيات والتحكم بالحركة، ولذلك لا يكفي نسخ تصميم الآلة؛ بل يتطلب منافستها إعادة بناء منظومة صناعية كاملة قادرة على العمل بدقة عالية وعلى مدار الساعة.
ويرى خبراء أسواق المال أن الاعتماد العالمي على مورد واحد يمثل أيضاً مخاطرة؛ فأي اضطراب في مصانع ASML أو مورديها أو سياسات التصدير الهولندية قد يؤخر مصانع الرقائق التي تستثمر فيها الشركات والحكومات عشرات المليارات من الدولارات.
ولهذا لم تعد آلات (ASML) مجرد معدات صناعية باهظة الثمن، لقد أصبحت بنية تحتية استراتيجية تحدد من يستطيع إنتاج أقوى الرقائق، وسرعة توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي، والجهة التي ستملك التفوق في أكثر تقنيات الاقتصاد العالمي حساسية.




