روسيا توسّع شراكاتها المالية مع الإمارات والصين والهند : CNN الاقتصادية


هذا التوجه الاستراتيجي أكده نائب وزير المالية الروسي، إيفان تشيبيسكوف، في مقابلة خاصة مع CNN الاقتصادية، حيث كشف عن ملامح بنية تحتية مالية جديدة قيد التأسيس بالتعاون مع هذه الدول.
وأوضح أن الوزارة تعمل على فتح حسابات مباشرة بين خزائن البنوك المركزية للأوراق المالية في روسيا ونظيراتها في الدول الشريكة، بما يتيح للمستثمرين والمصدرين الوصول إلى الأسواق المتبادلة بصورة أكثر سهولة، ويدعم عمليات الإدراج المشترك للأوراق المالية.
وأضاف أن هذه الآلية تأتي ضمن منظومة أوسع تشمل إنشاء نظام موحد لتبادل المعلومات وتنفيذ معاملات الأوراق المالية، إلى جانب تطوير حلول رقمية مشتركة بين الأسواق.
ويرى تشيبيسكوف أن الجمع بين الحسابات المباشرة والمنصات الرقمية يمثل الآلية الرئيسية للتعاون مع الأسواق الشريكة، إذ يوفر مستوى أعلى من الأمان والاستقرار والكفاءة في تنظيم وصول المستثمرين إلى الأوراق المالية.
«المركز المالي الشرقي»
تندرج هذه الخطوات ضمن مشروع أوسع تعمل عليه وزارة المالية الروسية لإنشاء ما يعرف بـ«المركز المالي الشرقي»، ويستهدف المشروع بناء بنية تحتية للاستثمار في الأصول الروسية، بما في ذلك سوق الأسهم.
ولا ينظر تشيبيسكوف إلى هذا المشروع كمنصة تقنية فقط، فهو يربطه أيضاً بقدرة روسيا على جذب مستثمرين أجانب جدد، وتوفير مسارات أوضح لدخولهم إلى السوق.
سوق المال كمحرك للنمو
في الداخل، تريد موسكو أن يتحول سوق رأس المال إلى محرك اقتصادي أكبر؛ فالحكومة تستهدف رفع القيمة السوقية لسوق الأسهم إلى ما يعادل 66% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، كما تستهدف رفع حصة المدخرات طويلة الأجل للمواطنين إلى 40% من الناتج المحلي، ويقول تشيبيسكوف إن هذه الأهداف وُضعت على مستوى رئاسة الدولة.
ولتحقيق ذلك، تعمل الوزارة على أكثر من مسار.
المسار الأول (توسيع المشاركة) هو زيادة إقبال المستثمرين الأفراد في سوق الأسهم؛ فروسيا تريد أن يصبح الاستثمار طويل الأجل جزءاً طبيعياً من التخطيط المالي للأسر، ولهذا تعمل الحكومة على تطوير أدوات الادخار، وتقديم حوافز ضريبية وبرامج دعم حكومي.
المسار الثاني (بناء الثقة) يؤكد تشيبيسكوف أن ثقة المستثمرين هي الأساس لنمو مستدام، لذلك تعمل وزارة المالية مع البنك المركزي الروسي على تحسين حوكمة الشركات، ورفع مستوى الإفصاح، وتطوير آليات حماية حقوق المستثمرين، ولا سيما صغار المساهمين.
المسار الثالث (الثقافة المالية) هو زيادة عدد المستثمرين لا تكفي وحدها، بل يجب أن يفهم المواطنون مبادئ الاستثمار طويل الأجل وتقييم المخاطر؛ لذلك تواصل الحكومة دعم برامج التعليم المالي والمبادرات التوعوية.
طروحات حكومية وشركات تقنية
تريد موسكو أيضاً زيادة عدد الشركات المدرجة في البورصة، ولا ترى وزارة المالية أن الطرح العام وسيلة لجمع التمويل فقط، بل تعتبره أداة لتحسين شفافية الشركات، ورفع جودة الحوكمة، وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات الروسية.
وقال تشيبيسكوف إن الوزارة أعدّت قائمة من الشركات المملوكة للدولة التي يمكن أن تنفذ طروحات عامة أولية أو ثانوية خلال السنوات الثلاث المقبلة، كما تولي الحكومة اهتماماً خاصاً بالشركات التقنية والابتكارية سريعة النمو، لأنها قادرة على التوسع والمساهمة في التحول الهيكلي للاقتصاد.
ولتسهيل هذا المسار، أدخلت الحكومة آلية تسمح للشركات المساهمة العامة بالحصول على أولوية في بعض الإعانات والمنح الحكومية، وجعل عملية التحضير للاكتتاب أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع، خصوصاً للشركات التي تدخل السوق للمرة الأولى، بالتعاون مع مؤسسات التنمية والجهات المتخصصة لمساندتها في مراحل ما قبل الإدراج.
العملات المستقرة والأصول الرقمية
إلى جانب تطوير أسواق المال التقليدية، تعمل روسيا على وضع إطار تنظيمي للأصول المالية الرقمية، التي ترى فيها وزارة المالية مجالاً واعداً لتحديث البنية المالية، لا سيما على صعيد التسويات الدولية، ويرى تشيبيسكوف أن هذه الأدوات يمكن أن تسهم في رفع كفاءة المدفوعات عبر الحدود، وخفض تكاليف المعاملات، وتوسيع فرص التجارة الدولية.
وفي الوقت نفسه، تعمل الوزارة على إعداد إطار تشريعي شامل لتنظيم تداول العملات المشفرة، ووضع قواعد لاستخدامها في أنشطة التجارة الخارجية.
وتحظى العملات الرقمية المستقرة باهتمام خاص، بما يشمل العملات المرتبطة بالروبل، إضافة إلى نماذج محتملة مدعومة بعملات دول شريكة، من بينها الدرهم الإماراتي، وقال تشيبيسكوف إن العمل جارٍ حالياً على إعداد الأطر التنظيمية اللازمة، بالتوازي مع دراسة نماذج مختلفة لهذه العملات، معرباً عن أمله في الانتقال إلى إصدار عملات مستقرة خاصة في المستقبل القريب لتشكل مكملاً لآليات التسوية الحالية.
تنظيم العملات المشفرة
في ملف العملات المشفرة، يقر تشيبيسكوف بأن اهتمام المواطنين الروس بهذه الأدوات أصبح واقعاً قائماً، فعدد كبير من المستخدمين يتعاملون بالفعل مع العملات الرقمية عبر منصات مختلفة؛ ولهذا، لا ترى الوزارة أن عليها الاختيار بين تنظيم الخدمات الأجنبية أو تطوير بنية محلية، بل تراها مسارات متكاملة.
ويؤكد تشيبيسكوف أن الوزارة لا تسعى إلى نقل رؤوس الأموال إدارياً من المنصات الأجنبية إلى المنصات الروسية، فالرهان ليس على القيود، بل على التنافسية؛ وهذا يعني أن البنية المحلية يجب أن تجذب المستخدمين من خلال جودة التنظيم، ومستوى حماية المستثمرين، والموثوقية التقنية.
وفي هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الروسية قائمة على مسارين متوازيين: الأول خارجي، عبر توسيع الروابط المالية مع الإمارات والصين والهند وغيرها من الأسواق الشريكة، والثاني داخلي، عبر تعميق سوق رأس المال، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتنظيم الأصول الرقمية، لبناء منظومة مالية أكثر تنوعاً وقادرة على تمويل النمو في بيئة اقتصادية وجيوسياسية معقدة.



