سعر الفائدة المحايد.. عامل خفي يضغط على السندات الأميركية : CNN الاقتصادية


ويعني ارتفاع هذا المعدل أن أسعار الفائدة قد تستقر عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، ما يزيد الضغوط على أسعار السندات. إلا أن تحديد مستوى دقيق لسعر الفائدة المحايد لا يزال صعباً، نظراً إلى اختلاف طرق احتسابه واعتماده على بيانات تاريخية.
وقال تشيب هيوي، العضو المنتدب للدخل الثابت لدى «ترويست ويلث» في ريتشموند بولاية فرجينيا: «قد يكون الاستثمار الضخم المرتبط بالتوسع في الذكاء الاصطناعي وارتفاع مستويات الدين الحكومي، وهما عاملان يمكن أن يعززا الطلب على رأس المال ويرفعا العوائد الحقيقية، السبب المرجح وراء ارتفاع سعر الفائدة المحايد».
وتكتسب هذه المناقشة أهمية لأن ارتفاع سعر الفائدة المحايد فعلاً قد يشير إلى استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، بما يترتب عليه تداعيات تمتد من تكاليف الرهن العقاري إلى نفقات الاقتراض الحكومي. كما أنه سيعقد مسار خفض أسعار الفائدة أمام مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حتى مع دفع الأسواق أسعار السندات إلى الانخفاض.
تقدير سعر الفائدة المحايد المراوغ
لطالما كان سعر الفائدة المحايد محل اهتمام الاقتصاديين الذين يسعون إلى قياس مدى تقييد سياسة الاحتياطي الفيدرالي للنشاط الاقتصادي أو تحفيزها له.
وقال محللون إن هذا المؤشر بالغ التعقيد، ومن المعروف صعوبة تقديره، لأنه قد يختلف باختلاف النموذج والأفق الزمني.
وأصدر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك مؤخراً تقديرات محدثة لنموذج «لاوباتش-وليامز» واسع المتابعة حتى الربع الثاني من عام 2026، أظهرت أن سعر الفائدة المحايد بلغ 1.65%، بانخفاض طفيف من 1.73% في الربع الأول. لكنه اتخذ مساراً صعودياً منذ الربع الأول من عام 2025، عندما بلغ 1.36%.
وقال مشاركون في السوق إن مستوى سعر الفائدة المحايد الحالي، أو سعر الفائدة المحايد، يُرجح أن يكون أعلى من ذلك في ظل استمرار تصاعد مبيعات السندات من جانب شركات التكنولوجيا العملاقة، وهي أكبر شركات الحوسبة السحابية مثل «أمازون دوت كوم» و«مايكروسوفت» و«غوغل» التابعة لـ«ألفابت»، إلى جانب تزايد الاقتراض الأميركي، رغم عدم تمكنهم من تقديم تقدير محدد.
وقال هيوي من «ترويست» إن أي تقدير لسعر الفائدة المحايد ينطوي على «قدر متساوٍ من الفن والعلم».
وقال زاكاري غريفيثس، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي والاستثمار عالي الجودة لدى «كريديت سايتس» في شارلوت بولاية نورث كارولاينا: «ارتفاع سعر الفائدة المحايد يدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع عبر مختلف آجال منحنى العائد».
منحنى العائد يتعرض لضغوط صعودية
ويفرض الارتفاع الهيكلي في سعر الفائدة المحايد ضغوطاً صعودية على عوائد السندات لأجل عامين وخمسة أعوام، لأنه يعني أن الاحتياطي الفيدرالي سيحتاج في نهاية المطاف إلى الاستقرار عند سعر فائدة أعلى.
كما ترتفع عوائد السندات لأجل 10 سنوات بسبب توقعات المستثمرين بارتفاع أسعار الفائدة الأساسية، وكذلك بسبب مطالبتهم بعلاوة أجل أكبر، وهي التعويض الإضافي المطلوب مقابل الاحتفاظ بديون طويلة الأجل. وظلت عوائد السندات تحت الضغط مجدداً هذا الأسبوع.
وبالنسبة إلى عائد السندات لأجل 30 عاماً، يرى غريفيثس أن ارتفاع سعر الفائدة المحايد له «تأثير غير متماثل تاريخياً»، ما يعني أن تأثيره الأقوى يظهر في هذا الجزء من منحنى العائد بسبب ارتفاع مستويات الدين واستمرار العجز المالي الكبير.
استثمارات الذكاء الاصطناعي تدفع الطلب على رأس المال
وتتفاقم هذه المخاوف المالية بفعل تزايد المعروض من الديون طويلة الأجل خارج سندات الخزانة، ولا سيما الاقتراض المدفوع بالذكاء الاصطناعي من جانب شركات التكنولوجيا العملاقة، إذ تتنافس مبيعات السندات الضخمة مع سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل على رؤوس أموال المستثمرين. وقال محللون إن ذلك أدى إلى رفع العوائد طويلة الأجل، ومن المرجح أن يكون قد رفع سعر الفائدة المحايد.
وقالت أولريكه هوفمان-بورشاردت، كبيرة مسؤولي الاستثمار في الأميركتين والرئيسة العالمية للأسهم في مكتب الاستثمار لدى «يو بي إس»، إن الاحتياطي الفيدرالي «لا يستطيع بسهولة خفض أسعار الفائدة مجدداً إلى الصفر عندما يظل الطلب الهيكلي على رأس المال مرتفعاً إلى هذا الحد».
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الزيادة في سعر الفائدة المحايد الناجمة عن قطاع التكنولوجيا قد تكون مؤقتة إذا أثبت الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل أنه عامل لخفض التضخم.
وقال غريفيثس من «كريديت سايتس»: «على المدى القريب، سيكون تأثير الذكاء الاصطناعي ارتفاع سعر الفائدة المحايد، قبل أن يتحول محتملًا إلى سعر فائدة اسمي أقل على المدى الطويل، اعتماداً على آثاره في خفض التضخم أو حتى خفض الأسعار».
لكن مع استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي، تواصل الحكومة الأميركية الاقتراض بكثافة، بعدما بلغ الدين الوطني 40 تريليون دولار. والنتيجة هي مزيج غير معتاد، إذ يتزامن الطلب الضخم على رأس المال من القطاع العام مع طفرة في استثمارات القطاع الخاص. ومن المرجح أن يبقي هذا السيناريو سعر الفائدة المحايد عند مستوى أعلى، حتى إذا دخل الاحتياطي الفيدرالي في فترة توقف ممتدة.
ومع ذلك، أشار محللون إلى أنه من السابق لأوانه كثيراً القول إن هذه القوى تمثل تغيراً طويل الأمد في الاقتصاد أو ظاهرة مؤقتة.
وقال محللون إن الاقتصاديين سيحتاجون إلى سنوات من البيانات لتحديد ما إذا كانت أحدث طفرة في الاستثمار، على سبيل المثال، تمثل تحولاً هيكلياً أم دورة أخرى تتلاشى في نهاية المطاف.
وقال هيوي من «ترويست»: «يحاول الاحتياطي الفيدرالي حالياً تقييم ما إذا كانت السياسة النقدية مقيدة بالقدر الكافي، في ظل ضخ قدر هائل من الاستثمارات في الاقتصاد، إلى جانب وجود طلب كبير على رأس المال من الحكومة».
(رويترز)




