شؤون عربية ودولية

لماذا بلغ عائد السندات البريطانية أعلى مستوى منذ 2008؟ : CNN الاقتصادية



تجاوز عائد سندات الحكومة البريطانية لأجل عشر سنوات 5.1%، يوم الثلاثاء الماضي، وكان هذا أعلى مستوى له منذ عام 2008، بزيادة تقارب نقطة مئوية كاملة منذ نهاية فبراير، وفي المقابل بلغ عائد سندات الدين السيادية الأميركية والفرنسية والألمانية المماثلة 4.4% و3.7% و3.1% على التوالي، حيث لم يرتفع أي منها إلا بنحو نصف نقطة مئوية خلال الفترة نفسها.

يمثل هذا التناقض معضلة لصناع السياسات الاقتصادية، لماذا تدفع الحكومة البريطانية مبالغ أكبر بكثير للاقتراض مقارنة بنظيراتها من الاقتصادات المتقدمة؟

تفسيرات خاطئة

يرجع البعض هذا التدهور في سوق السندات إلى المخاطر السياسية، فالمملكة المتحدة شهدت تعاقب خمسة رؤساء وزراء في ثماني سنوات، ولكن هذا التفسير لا يصمد كثيراً لأن الاقتصاد لم يتدهور بشدة مع التغييرات المتعاقبة.

وفي ما يخص المؤشرات الاقتصادية، من المتوقع أن يرتفع إجمالي العجز المالي لمنطقة اليورو من 3% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي إلى 3.4% في عام 2027، وفقاً لأحدث توقعات صندوق النقد الدولي، كما سيتسع عجز الميزانية في الولايات المتحدة من 6.8% إلى 7.4% خلال الفترة نفسها، لكن العجز المالي في المملكة المتحدة من المتوقع أن يسير على الطريق الصحيح للانخفاض من 5.4% إلى 3.1%.

وظل العائد على مقايضات التضخم الآجلة للجنيه الإسترليني لمدة خمس سنوات، وهو مؤشر لتوقعات المستثمرين بشأن التضخم في المملكة المتحدة على المدى المتوسط، مستقراً نسبياً عند نحو 3.5% خلال معظم العقد الماضي، في المقابل، كان العائد نفسه في منطقة اليورو أكثر تقلباً، حيث انخفض إلى 1.1% في عام 2020، ووصل إلى ما يقرب من 2.7% في عام 2023.

بمعنى آخر أظهر المستثمرون باستمرار ثقة أكبر بالتزام بنك إنجلترا وقدرته على ضبط الأسعار، مقارنةً بثقتهم في البنك المركزي الأوروبي.

حالة استثنائية

تزخر منطقة اليورو برؤوس الأموال، ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن مدخراتها تتجاوز بكثير طلبها الاستثماري، لدرجة أنها صدرت نحو 440 مليار دولار من صافي رأس المال في عام 2024، واختتمت ذلك العام كصافي دائن لبقية العالم بأكثر من 1.9 تريليون دولار.

على النقيض تماماً، تُعد الولايات المتحدة أكبر دولة مدينة في العالم، إذ يبلغ صافي استثماراتها الدولية سالب 26.5 تريليون دولار، وبلغ عجز حسابها الجاري في عام 2024 وحده نحو 1.2 تريليون دولار.

مع ذلك تُعد أسواق رأس المال الأميركية الأعمق والأكثر تطوراً في العالم، ولا تزال بنوكها الأكثر نشاطاً وفاعلية على الصعيد العالمي، ويظل الدولار الأميركي العملة الاحتياطية الدولية الرئيسية، ونتيجة لذلك، تستطيع الولايات المتحدة سد الفجوات التمويلية الهائلة دون فرض فوائد باهظة.

على النقيض من ذلك، تعاني المملكة المتحدة من أسوأ ما في العالمين: احتياجات تمويلية على النمط الأميركي، وأسواق رأس مال ضعيفة على مستوى أوروبي.

على عكس منطقة اليورو، تُعد المملكة المتحدة مدينة مال وأعمال دولية تتوق باستمرار إلى المدخرات الأجنبية، وعلى عكس الولايات المتحدة، تفتقر إلى أسواق مالية مُصممة لتعبئة رؤوس الأموال على نطاق واسع بالعملة الأكثر رواجاً في العالم، وللتعويض عن ذلك، يضطر بنك إنجلترا إلى اتباع سياسة نقدية أكثر تشدداً من نظرائه، وتبقى عوائد السندات مرتفعة بشكل ملحوظ.

يبقي هذا الأمر توقعات التضخم تحت السيطرة، لكن على حساب كبح الاستثمار والتوظيف والنمو.

الحل السريع

لا يوجد حل سريع لهذا الضعف الهيكلي، لكن هناك إجراءات يمكن للحكومة اتخاذها، وينبغي على من يتولى زمام الأمور اتباع خطة من ثلاث خطوات لكبح تكاليف الاقتراض في بريطانيا.

الخطوة الأولى هي عدم إلحاق الضرر بالمكاسب الحالية، وذلك بترك بنك إنجلترا وشأنه، حيث يظهر استقرار توقعات السوق على المدى الطويل أن مصداقية البنك المركزي في مكافحة التضخم لا تزال قائمة، وهذا رصيد وطني بالغ الأهمية وشرط أساسي للنجاح.

وتتمثل الخطوة الثانية في معالجة اختلال التوازن الهيكلي بين الادخار والاستثمار في بريطانيا، وهذا يعني مضاعفة القيود المالية بغرض تقليص الاقتراض الحكومي، ولا يقل أهمية عن ذلك احتواء العجز الإجمالي في الحساب الجاري للحد من المنافسة على رأس المال من التمويل الخاص.

وينبغي الاعتماد على سعر الصرف المرن لبريطانيا للقيام بمعظم العمل، وفي الوقت نفسه، ينبغي لصناع السياسات تجنب الوقوع في أخطاء فادحة، مثل تقييد إنتاج الطاقة المحلي الذي يمكن أن يحل محل الواردات.

أما الخطوة الأخيرة فهي سد الفجوة مع أسواق رأس المال الأميركية، وقد وجد مركز الأبحاث «نيو فاينانشال» مؤخراً أن لندن قد تخلفت عن المراكز المالية الدولية الأخرى في 71% من قطاعات الأعمال المحلية و50% من القطاعات الدولية خلال السنوات الخمس الماضية.

إن إعادة بناء قدرة الحي المالي في لندن على حشد رأس المال المحلي والعالمي لن يفيد المصرفيين فحسب، بل سيساعد أيضاً في كبح جماح فاتورة الفائدة في لندن.

(رويترز)



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى