ارتفاع عوائد سندات الخزانة يضيّق خيارات واشنطن أمام أزمة الدين : CNN الاقتصادية


وتصل فاتورة الفوائد على الدين الأميركي إلى نحو تريليون دولار سنوياً، مقابل ديون تتجاوز 40 تريليون دولار.
خيارات محدودة أمام وزارة الخزانة
تمتلك واشنطن عدة أدوات للتعامل مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، تبدأ بزيادة الاعتماد على الديون قصيرة الأجل، وقد تصل في الحالات القصوى إلى تدخل الاحتياطي الفيدرالي للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل.
وقال تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في «أبولو جلوبال مانجمنت»، إن الحكومة تنفق نحو دولار من كل 5 دولارات تحصل عليها من الإيرادات الضريبية على خدمة الدين الوطني، مضيفاً أن هذه النسبة «مرتفعة للغاية وستستمر في الارتفاع».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قال في مقابلة مع مجلة «تايم» في 28 سبتمبر/أيلول إن الدين يمكن سداده من خلال النمو الاقتصادي أو التضخم، إلى جانب وسائل أخرى.
وتعتمد وزارة الخزانة بالفعل بدرجة أكبر على إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل، كما تجري عمليات إعادة شراء محدودة للديون القديمة بهدف دعم سيولة السوق.
«عملية تويست» كخيار أول
في حال تفاقمت الضغوط، قد تتطلب الخطوات التالية تدخلاً من الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك شراء السندات طويلة الأجل على نطاق واسع، على غرار «عملية تويست» التي طُبقت عام 1961.
وتضمنت العملية بيع ديون قصيرة الأجل وشراء سندات طويلة الأجل بهدف تسطيح منحنى العائد، بما يساعد على خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.
غير أن تكرار هذه الاستراتيجية على نطاق واسع قد يتطلب تعاوناً من الاحتياطي الفيدرالي، الذي قد يتردد في استخدام ميزانيته العمومية لهذا الغرض ما لم تظهر حالة طوارئ مالية واضحة.
وقال سلوك إن وزارة الخزانة «تملك موارد محدودة لخفض أسعار الفائدة» دون الاستعانة بالميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي.
في المقابل، انتقد كيفن وورش، المسؤول السابق في الاحتياطي الفيدرالي، الحيازات الكبيرة للبنك المركزي من سندات الخزانة والأوراق المالية الأخرى، محذّراً من أن عمليات شراء السندات على نطاق واسع قد تؤدي إلى طمس الحدود بين السياسة النقدية وإدارة الدين الحكومي.
ودعا وورش إلى اتفاق جديد بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، يعلن بموجبه رئيس البنك المركزي ووزير الخزانة بصورة علنية أهداف كل منهما فيما يتعلق بميزانية الاحتياطي الفيدرالي وإصدارات ديون الخزانة.
السيطرة على منحنى العائد
إذا لم تحقق عمليات الشراء المشابهة لـ«عملية تويست» النتائج المرجوة، فقد تنتقل السياسة إلى تطبيق صريح للتحكم في منحنى العائد، بحيث يتعهد البنك المركزي بشراء كميات غير محدودة من الديون الحكومية للحفاظ على عوائد السندات طويلة الأجل دون مستوى محدد.
وسبق للاحتياطي الفيدرالي أن فرض سقفاً لعوائد سندات الخزانة طويلة الأجل عند 2.5% للمساعدة في تمويل الحرب العالمية الثانية ودعم التعافي الاقتصادي بعد الحرب، وذلك بين عامي 1942 و1951.
كما طبّق بنك اليابان نسخة من هذه السياسة بين عامي 2016 و2024.
وتؤدي السيطرة على منحنى العائد إلى إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بصورة مصطنعة، ما يخفف التداعيات السياسية المترتبة على ارتفاع عجز الموازنة. لكن فاعلية هذه السياسة تعتمد على استمرار ثقة المستثمرين في قيمة العملة وقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها.
وفي حال تراجعت هذه الثقة، فإن مشتريات البنك المركزي التي تستهدف خفض أسعار الفائدة قد تؤدي بدلاً من ذلك إلى زيادة التضخم.
وقالت فيرونيك دي روغي، كبيرة الباحثين في مركز «ميركاتوس» بجامعة جورج ميسون، إن الحل النهائي لمشكلة الدين يتمثل في خفض الإنفاق، مضيفة أن الكونغرس يحتاج إلى إجراء تعديل مالي، لأن الاحتياطي الفيدرالي لا يستطيع معالجة المشكلة بمفرده.
مساران تاريخيان لخفض الدين
يشير جون هيغينز، كبير المستشارين الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، إلى أن الولايات المتحدة لم تنجح في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بصورة ملموسة سوى مرتين منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت أوضاع حاملي السندات مختلفة بشكل كبير في كل مرة.
فبعد الحرب العالمية الثانية، تراجعت نسبة الدين من نحو 106% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1946 إلى 23% عام 1974، بينما ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات من 2.2% إلى 7.5%.
أما في تسعينيات القرن الماضي، فانخفضت نسبة الدين من 48% إلى 32% من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجعت معها عوائد السندات.
ويرجع الفارق بين الفترتين، وفق هيغينز، إلى اختلاف الظروف الاقتصادية. ففي مرحلة ما بعد الحرب، أسهمت حدود الاقتراض المفروضة ومعدلات التضخم المرتفعة نسبياً في نمو الناتج المحلي الاسمي بوتيرة أسرع من عوائد سندات الخزانة، ما ساعد على تقليص نسبة الدين دون الحاجة إلى انضباط مالي واسع.
وفي المقابل، كانت أسعار الفائدة في التسعينيات أعلى قليلاً من معدلات النمو، ما جعل ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات عاملين أساسيين في خفض الدين.
وتشير هذه التجارب إلى مسارين رئيسيين أمام واشنطن اليوم: التقشف المالي المصحوب بانخفاض عوائد السندات، أو اللجوء إلى ما يعرف بـ«القمع المالي» والتضخم، حيث ترتفع العوائد بالتزامن مع تحسن نسبة الدين.
ويزيد من صعوبة الخيار الأول أن الإنفاق الإلزامي يمثل حالياً حصة أكبر من الموازنة الأميركية مقارنة بما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي.
(رويترز)




