«الأوديسة» يحيي أفلام العصر الذهبي للسينما التاريخية

يُحسب لفيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» أنه يحيي، بنجاحه، عصراً من الأفلام الملحمية التاريخية التي شهدت ذروتها الإنتاجية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. يضع أمام مشاهدي اليوم نوعاً من الأفلام التي لم نعد نراها إلا لُماماً، وغالباً في أفلام ريدلي سكوت التاريخية مثل «غلادياتور» (2000)، و«مملكة السماء» (2005)، وصولاً إلى «نابليون» (2023)، و«غلادياتور 2» (2024)
لكن أفلام الملاحم التاريخية، خصوصاً تلك التي تقع أحداثها في حوض البحر المتوسط حيث حضارات الفراعنة والإغريق والرومان، ليست فقط الأقرب إلى ما وفَّره نولان، بل أيضاً النوع الذي تطلّب دائماً تضافر عناصر العمل من تصاميم إنتاجية وديكورات وملابس وكومبارس، وتنفيذاً يتبع تفاصيل التاريخ التقنية الأخرى، متوسّماً استقبال الأجيال لعالم مرّت على أحداثه نحو 3000 سنة.

نجاح طفيف
تلك السينما كانت تُسمى بـ«أفلام السيف والصندال»، حيث السيف في اليد والأحذية عبارة عن صنادل مما توفر صنعها. لكن المضمون كان دوماً الصراع بين الأفراد وبين الجيوش والإمبراطوريات. رحى تلك الصراعات كانت تدور داخل القلاع والقصور، كما في الأراضي المفتوحة، امتداداً لشواطئ البحر الأبيض المتوسط.
في عام 1953 باشر المخرج جوزيف مانكيفيتز تحقيق نسخة ويليام شكسبير من «يوليوس قيصر» (Julius Caesar). لم يكن مانكيفيتز السينمائي الأميركي الوحيد الذي كان يرغب في تقديم الرواية في فيلم تاريخي، بل سبقه في الهدف المخرج أورسن ويلز. دعم شركة «مترو غولدوين ماير» لفيلم مانكيفيتز وضع حداً لطموح ويلز، الذي انصرف لاحقاً صوب أعمال شكسبيرية أخرى.
في العام التالي فرك المخرج مايكل كورتيز (الشهير بفيلمه الأسبق «كازابلانكا») يديه فرحاً عندما اختارته «تونتييث سنتشري فوكس» لتحقيق «المصري»، الذي يستهل أحداثه بمشهد يذكّر بقصة النبي موسى. مارلون براندو وافق على بطولته، لكنه تراجع عن ذلك، وعزا الأمر إلى أنه كان بحاجة إلى معالجة طبية. ولاحقاً اعترف بأنه لم يكن راضياً عن بعض المشاركين في البطولة إلى جانبه. حل فيكتور ماتيور، بأسلوبه الأدائي المختلف 180 درجة عن أسلوب براندو، في البطولة.

حكاية بالغة التكلفة
لم ينجز هذا الفيلم سوى نجاح طفيف، لكن ذلك لم يوقف رغبة هوليوود في المزيد من الأفلام المشابهة. روبرت وايز حقَّق «هيلين الطروادية» (Helen of Troy) في عام 1956، الفيلم المقتبس عن «الإلياذة» لهوميروس. كانت «وورنر» قد اشترت الحقوق من المنتجين الإيطاليين كارلو بونتي ودينو دي لورينتيس، وأسندت البطولة إلى روزانا بوديستا وجاك سرناس والمسرحي سيدريك هاردويك. بريجيت باردو حققت ظهورها الأول على الشاشة.
هذا فيلم يحشد عناصر درامية لافتة، مع مشاهد جيدة التحضير والتنفيذ للمعارك والحشود الكبيرة. لكنه أضعف على صعيد الإلقاء، بسبب مشكلة تلقين ممثلين لا يجيدون الإنجليزية، مما يرفع من شأن أداء هاردويك ويميّزه منفرداً.
تلاه فيلم «كليوباترا»، الذي كاد أن يُطيح بشركة «فوكس» بسبب ارتفاع تكاليفه، إلى جانب مشكلات كبيرة أخرى.
هذا الفيلم «كليوباترا» الذي بدأ تحقيقه روبرت ماموليان وأكمله جوزيف مانكيفيتز، مع إليزابيث تايلور، وريتشارد بيرتون، وركس هاريسون في البطولة. ترنّحت الشركة تحت وطأة ميزانية الفيلم التي بلغت آنذاك 44 مليون دولار، ما يوازي 411 مليون دولار حالياً. لكن إلى جانب ذلك، تأخر تصوير الفيلم 3 سنوات (بدأ في 1960 وانتهى في 1963)، ونشبت خلافات، وانتهى الفيلم بإخفاق تجاري كبير.
يستوقفنا كذلك «الإسكندر العظيم» لروبرت روزن، مع ريتشارد بورتون، وكلير بلوم، الذي سبق نسخة أوليفر ستون «ألكسندر» بـ48 سنة. الحكاية هنا معروفة من أفلام سابقة ولاحقة، وتدور حول القائد الإغريقي الذي طمح إلى غزو العالم شرق وجنوب بلاده. صُوِّر في إسبانيا مع نحو 6 آلاف كومبارس.
هنا وظّف روزن نظام «سينما سكوب» بدراية، واستخدم العدد الكبير من المجاميع جيداً في مشاهد المعارك، لكن الدراما جاءت، كما في كثير من المحاولات الأخرى في هذا النوع من الأفلام، أقل تميزاً.
الأفلام الملحمية التاريخية التي بلغت ذروتها في خمسينات القرن الماضي وستيناته تعود إلى الواجهة
عودة نوعية
لم يمنع فشل «كليوباترا» من إنتاج ملاحم أخرى في الستينات، من بينها «فيدرا» لجول داسن (1960)، و«سبارتاكوس» لستانلي كوبريك (1960)، و«سقوط الإمبراطورية الرومانية» لأنطوني مان، وكل ذلك قبل أن تعود هوليوود إلى إنتاج هذا النوع من الأفلام، إنما بوتيرة متباعدة.
هذان الفيلمان الأخيران في هذا الاستعراض هما من بين أفضل ما حُقِّق من أعمال في هذا النوع من السينما. «سبارتاكوس» حشد لموضوع العبيد في ميادين القتال الرومانية والصرخة لإطلاقهم، مع أداء لافت من كيرك دوغلاس، والثاني سبر غور حياة البلاط الروماني في الفترة التي سبقت اندحاره.
كان أنطوني مان قد قرأ كتاب إدوارد غيبون، واتفق مع المنتج سامويل برونستون (عملا معاً في فيلم ملحمي سابق هو El Cid) على تحقيقه. دراما شاملة تتسم بجدية الطرح، كحال «سبارتاكوس».
هذا المنوال من الأفلام عاد إلى الحياة في عام 2000 عندما حقَّق ريدلي سكوت فيلم «غلادياتور»، ثم أتبعه بأفلام تاريخية عدَّة، من بينها «مملكة السماء»، و«نابليون»، و«غلادياتور 2». كلها تشهد بحب المخرج للتاريخ وللشاشة العريضة التي تستوعبه.



