تكنلوجيا

السعودية تنتقل بالذكاء الاصطناعي من التجربة إلى إثبات القيمة


تجمع شركة «HP» في السعودية حالياً بين 3 مسارات تتحرك بالتوازي، هي تصنيع أجهزة محلياً في الرياض، وتطوير حلول للذكاء الاصطناعي من مركزها في الظهران، وإطلاق حاضنة جديدة للشركات الناشئة، في محاولة لربط الإنتاج والبحث والتطوير والمهارات ضمن منظومة واحدة.

ويأتي هذا التوسع بعد انتقال مصنع الشركة في الرياض إلى مرحلة الإنتاج التجاري، بالتزامن مع تطوير حلول ذكاء اصطناعي موجهة لاحتياجات مؤسسات سعودية، وإطلاق «HP Garage 2.0» خلال مؤتمر «ليب 2026» لدعم الشركات الناشئة وتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتطبيق.

يقول فضل سعد، المدير العام للمقر الإقليمي لشركة «HP» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الشركة انتقلت خلال السنوات الأخيرة من تعزيز وجودها التجاري إلى بناء قدرات محلية تشمل التصنيع والبحث والتطوير والتعليم.

وأوضح في لقاء على هامش مؤتمر «ليب 2026» إن عدد موظفي «HP» في المملكة تضاعف بأكثر من مرتين خلال هذه المرحلة، بالتوازي مع بناء فرق في المبيعات والخدمات والعمليات، قبل الانتقال إلى مشاريع ذات طابع أعمق، من بينها مصنع الرياض ومركز البحث والتطوير للذكاء الاصطناعي في الظهران. وذكر أن شركته رأت مبكراً أن موقع السعودية وسياساتها الاقتصادية وبرامج «رؤية 2030» توفر أساساً يسمح بالانتقال من استيراد التقنية إلى تطوير أجزاء منها وتصنيعها محلياً، مضيفاً أن ما كان التزاماً معلناً قبل عام أصبح اليوم عمليات قائمة بالفعل.

فضل سعد المدير العام للمقر الإقليمي لشركة «HP» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشرق الأوسط)

مصنع الرياض يدخل الإنتاج التجاري

أحد أبرز الأمثلة هو مصنع «HP» في الرياض، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وانتقل الآن إلى مرحلة الإنتاج التجاري المستمر. وأكد سعد أن الشركة تنتج حالياً أجهزة «HP» محلياً وتشحنها إلى العملاء والشركاء داخل المملكة، مشيراً بصورة خاصة إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي كانت الشركة قد أعلنت عن خطط تصنيعها محلياً قبل عام. وقال: «نحن اليوم في الإنتاج التجاري الكامل».

وبحسب الشركة، من المخطط مواصلة توسيع الإنتاج طوال 2026، بالتوازي مع تطوير علاقاتها مع الموردين السعوديين وبناء مهارات محلية في قطاع التصنيع والعمل مع الجهات الحكومية وشركاء القطاع لدعم مستهدفات التوطين. ولا ينظر سعد إلى المصنع باعتباره مشروعاً يخدم السوق السعودية فقط. وقال إن طموح الشركة هو أن يصبح ما تبنيه في المملكة جزءاً من سلسلة الإمداد العالمية لـ«HP»، مع إمكانية التوسع مستقبلاً في الإنتاج الموجه إلى الخارج. وأوضح أن البنية التحتية التي تطورها المملكة، بما في ذلك الموانئ والمطارات، تمثل عنصراً مهماً في هذا الاتجاه لأنها تهيئ القدرة اللوجيستية اللازمة للتصدير.

الذكاء الاصطناعي يبدأ من مشكلات العملاء

في الظهران، تعمل «HP» على مسار مختلف لكنه مرتبط بالاستراتيجية نفسها عبر مركز التميز للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، الذي أُعلن عنه للمرة الأولى خلال «ليب 2025».

وأوضح سعد أن الشركة تتعمد التشديد على كلمتي «البحث» و«التطوير» في تعريف المركز، لأنه لا يعمل على نماذج نظرية بمعزل عن السوق، بل يبدأ من مشكلات فعلية تواجه المؤسسات السعودية.

وتابع أن فرق المركز تعقد ورش عمل تفصيلية مع العملاء لتحديد التحديات التشغيلية، ثم تحول هذه المشكلات إلى حالات استخدام يمكن معالجتها باستخدام الذكاء الاصطناعي وحلول الحوسبة الطرفية.

وأضاف: «نحن لا نطور المنتجات بمعزل عن الجامعات أو الأبحاث أو العملاء»، مشيراً إلى أن بعض الحلول التي خرجت من المركز بدأت أصلاً من مشكلات حددتها مؤسسات سعودية كبيرة.

ومن بين أبرز هذه الحلول «HP Agent One»، وهو نظام ذكاء اصطناعي قائم على الوكلاء لإدارة طلبات خدمات تقنية المعلومات والحوادث من البداية إلى النهاية.

ويستطيع النظام فهم الطلب وإنشاء التذاكر وتوجيهها ومحاولة حل المشكلات وتصعيد الحالات إلى العنصر البشري عند الحاجة، كما يدعم اللغة العربية ويمكن تشغيله داخل البنية التحتية للمؤسسة، وهو ما يسمح بإبقاء البيانات الحساسة محلياً.

ويطور المركز أيضاً «FlowMaster»، الذي يجمع بين تقنيات التعرف الضوئي على الحروف والذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط لتحليل الوثائق وأتمتة العمليات الإدارية المعقدة. ويمكن للحل التحقق من صحة المعلومات ومدى الامتثال، ورصد أوجه عدم الاتساق واقتراح إجراءات، ما يفتح حالات استخدام في الجهات الحكومية والقطاع العام والمؤسسات الخاضعة لرقابة تنظيمية، خصوصاً في معالجة التصاريح وطلبات المواطنين.

تراهن «HP» على نموذج يجمع الذكاء الاصطناعي السحابي والحوسبة الطرفية بالتوازي مع تطوير المهارات (أدوبي)

حلول مطورة في السعودية تتجه إلى الخارج

لا تريد «HP» أن تبقى التطبيقات التي يطورها مركز الظهران محصورة في السوق المحلية. ولفت سعد أن المشكلات التي تواجهها المؤسسات السعودية غالباً ما تتكرر في أسواق أخرى، ما يجعل الحلول المطورة لها قابلة للتوسع إقليمياً وعالمياً. وأضاف أن اثنين من المنتجات التي خرجت من مركز البحث والتطوير السعودي يجري العمل على تقديمهما خارج المملكة، موضحاً أن الشركة بدأت بالفعل استكشاف استخدامها في أسواق إقليمية ودولية، ومن بينها إسبانيا.

وقال: «المشكلات اليوم عالمية بالطريقة نفسها التي أصبحت فيها الحلول عالمية»، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي هو أسرع المجالات التي يمكن من خلالها تحويل السعودية إلى قاعدة لإنتاج حلول يتم استخدامها خارجها.

كما يربط سعد هذا المسار أيضاً بالشركات الناشئة التي ستخرج من برنامج «HP Garage 2.0»، إذ يمكن للشركات الصغيرة استخدام شبكة «HP» للوصول إلى علاقات وأسواق لا تستطيع الوصول إليها بسهولة بمفردها.

«Garage 2.0» ليس برنامجاً تدريبياً

أعلنت «HP» في «ليب 2026» إطلاق «HP Garage 2.0» في السعودية، وهو برنامج يستلهم اسم المرآب الأصلي في بالو ألتو الذي تأسست فيه الشركة على يد بيل هيوليت وديف باكارد، لكنه يأتي هذه المرة بصيغة حاضنة تستهدف الشركات الناشئة السعودية. وشدد سعد على أن البرنامج «ليس تدريباً»، بل حاضنة يفترض أن يقاس نجاحها بعدد الشركات الفعلية التي تخرج منها. وقال: «نجاح هذه الحاضنة هو أن نكون قادرين على تخريج شركات ناشئة منها»، موضحاً أن البرنامج سيعتمد على شراكات مع الجامعات والجهات الحكومية وحاضنات ومسرعات أخرى.

وبحسب إعلان الشركة، ستجمع الحاضنة الشركات الناشئة والجامعات وقطاع الأعمال وخبرات «HP»، بهدف مساعدة المؤسسين على تطوير أفكار مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل وتحويلها إلى حلول قابلة للتطبيق. وقال سعد إن وجود المصنع ومركز الذكاء الاصطناعي والبرامج التعليمية يوفر للحاضنة بيئة تختلف عن نموذج التدريب المنفصل، إذ يمكن ربط الشركات الناشئة بحاجات المصنع أو فرق البحث والتطوير أو المحتوى التعليمي الذي توفره الشركة.

العربية واللهجات تحدٍ للذكاء الاصطناعي

يشكل تطوير الذكاء الاصطناعي العربي محوراً آخر في عمل مركز الظهران، خصوصاً أن الكثير من النماذج العالمية لا تزال تواجه صعوبات في التعامل بالدقة نفسها مع خصائص اللغة العربية واختلاف اللهجات. وصرح سعد بأن العربية كانت تاريخياً «لغة صعبة» بالنسبة إلى أنظمة التعرف والنماذج اللغوية بسبب بنيتها وتنوع اللهجات المستخدمة عبر المنطقة.

وأوضح أن النظام المستخدم في مركز اتصال أو لإدارة تذاكر الخدمات لا يمكن أن يعمل بصورة صحيحة «في معظم الأوقات» فقط، بل يجب أن يكون قادراً على فهم الاختلافات المحلية بدرجة عالية من الدقة حتى يصبح حلاً قابلاً للاستخدام التجاري.

وأضاف أن «HP» رأت فجوة في النماذج اللغوية العربية الكبيرة، وأن سدها يحتاج إلى منظومة أوسع من شركة واحدة، مشيراً إلى تعدد الإعلانات المتعلقة بالنماذج العربية في «ليب 2026».

ويعمل مركز الظهران مع مؤسسات أكاديمية على تطوير قدرات نماذج اللغة العربية، مع أبحاث تركز على اللهجة النجدية والاستفادة من مجموعات بيانات سعودية لتطوير حالات استخدام مرتبطة بالسوق المحلية، من بينها منصة للتنبؤ باحتمالات التسرب الدراسي.

أطلقت «HP Garage 2.0» كحاضنة للشركات الناشئة ويُقاس نجاحها بقدرتها على تخريج شركات جديدة وليس بعدد المتدربين (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي ينتقل من السحابة إلى الجهاز

فيما تستثمر السعودية بصورة واسعة في مراكز البيانات والبنية السحابية، يعتقد سعد أن المرحلة المقبلة لن تعتمد على الحوسبة السحابية وحدها، بل على نموذج هجين يجمع الذكاء الاصطناعي في السحابة مع القدرة الموجودة مباشرة داخل الأجهزة. ويرى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطرفي، أو «Edge AI»، لا تزال في بداية توسعها مقارنة بالتطبيقات السحابية.

وضرب مثالاً بجهاز كمبيوتر يدخل به المستخدم إلى غرفة اجتماعات جديدة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي الموجود على الجهاز أن يفهم البيئة المحيطة ويضبط الكاميرا والصوت والاتصال وإعدادات الاجتماع تلقائياً، من دون إرسال كل عملية إلى السحابة.

ويضيف هذا النموذج ميزة أخرى مرتبطة بزمن الاستجابة، إذ يمكن تنفيذ بعض المهام محلياً بدلاً من انتظار إرسال البيانات إلى مراكز الحوسبة وإعادتها. وقال سعد إنه لا يرى أن الشركات تتردد في تبني أجهزة الكمبيوتر المدعومة بالذكاء الاصطناعي بقدر ما يرى انتقالاً طبيعياً من مرحلة تركزت فيها التطبيقات في السحابة إلى نموذج يجمع «التطبيقات في السحابة والذكاء على الطرف» في الوقت نفسه.

هل يصبح الكمبيوتر بلا ذكاء اصطناعي استثناء؟

يتوقع المدير العام للمقر الإقليمي لشركة «HP» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن يتحول الذكاء الاصطناعي تدريجياً إلى جزء أساسي من تجربة الكمبيوتر، وليس ميزة إضافية في فئة محددة من الأجهزة. ولفت أن الذكاء الاصطناعي سيصبح «جزءاً لا يتجزأ» من طريقة العمل، سواء في تحسين العمليات أو رفع الكفاءة أو تطوير تجربة الموظفين. ويربط ذلك بما تسميه الشركة «مستقبل العمل»، الذي لم يعد في نظرها متعلقاً بالإنتاجية فقط، بل أيضاً بمدى رضا الموظف عن الأدوات والتقنيات التي يستخدمها يومياً.

وأشار سعد إلى دراسات تقول إن مستويات ارتباط الموظفين بالعمل تقل عن 50 في المائة في كثير من البيئات، معتبراً أن الأدوات التقنية التي يستخدمونها تؤثر بصورة مباشرة في هذه التجربة.

وفي السعودية، قال إن تبني الذكاء الاصطناعي يتسارع بصورة لافتة، مستشهداً بتقرير للهيئة السعودية للاتصالات والفضاء والتقنية يشير، وفق قوله، إلى أن نحو 45 في المائة من الأشخاص في المملكة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وهو مستوى يقارب ضعف العام السابق. وأضاف أن بيانات لدى «HP» تظهر تفاوتاً في الاستخدام بين الفئات، إذ يتجاوز التبني 50 في المائة لدى متخذي القرار في تقنية المعلومات، مقابل مستوى يبدأ من نحو 35 في المائة لدى المستخدمين العاديين.

وصلت برامج «HP» التعليمية في السعودية إلى 1.5 مليون مستفيد (رويترز)

1.5 مليون مستفيد من برامج التعليم

تضع «HP» تطوير المهارات إلى جانب التصنيع والبحث والتطوير، وليس كمبادرة منفصلة عنهما. وأعلنت الشركة «HP AI Academy» باعتبارها منصة تجمع برامجها لتعليم الذكاء الاصطناعي وبناء القدرات، تحت 3 محاور هي: «تعلم الذكاء الاصطناعي، قد بالذكاء الاصطناعي، أسهم في تشكيل الذكاء الاصطناعي».

ويعد «HP AI Foundry» أحد البرامج الرئيسية ضمن الأكاديمية. وأُطلق في مايو (أيار) 2026 عبر منصة «edX»، ويضم في مرحلته الأولى 3 دورات تحتوي على 20 وحدة تعليمية تغطي أساسيات الذكاء الاصطناعي واستخدامه عملياً وعلاقته بالمجتمع، من دون اشتراط خلفية تقنية مسبقة.

وستضيف المرحلة الثانية 3 دورات أخرى حول الذكاء الاصطناعي في العمل، واستراتيجية الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي المستدام، ليصل البرنامج إلى 6 دورات و48 وحدة تعليمية.

وتقول الشركة إن برامجها التعليمية في السعودية وصلت حتى الآن إلى 1.5 مليون مستفيد عبر مجموعة من المبادرات، من بينها «HP Gaming Garage» و«HP Cambridge EdTech Fellowship».

كما قدمت بالتعاون مع أكاديمية طويق 9 برامج تدريبية حصل من خلالها أكثر من 180 متعلماً على شهادات مرتبطة بتطوير الألعاب والتقنيات الناشئة.

من استهلاك التقنية إلى إنتاجها

بالنسبة إلى سعد، لم يعد افتراضاً للمستقبل السؤال حول موعد انتقال السعودية من شراء التقنية العالمية إلى إنتاجها، بل يرى أن هذا الانتقال بدأ بالفعل. وقال: «الإنتاج في السعودية أصبح واقعاً»، مستشهداً بالمصنع والبحث والتطوير المحلي والتوسع في البرامج التي تربط الجامعات والشركات الناشئة والقطاع الخاص.

ويرى أن الجمع بين السياسات الحكومية والبنية التحتية والموانئ والمطارات والاستثمارات المحلية أعطى شركات عالمية مثل «HP» ثقة أكبر لتوسيع عملياتها في المملكة. وأضاف أن التقدم في هذا المجال قد يصبح أكثر وضوحاً قبل 2030، خصوصاً إذا تطورت القدرة على تصدير المنتجات والحلول التي يتم تطويرها وتصنيعها محلياً.

وتقوم استراتيجية الشركة بذلك على 4 حلقات مترابطة، هي مصنع ينتج فعلياً في الرياض، ومركز بحث وتطوير في الظهران يحول مشكلات المؤسسات إلى تطبيقات ذكاء اصطناعي، وأكاديمية تعمل على بناء المهارات، وحاضنة يفترض أن تحول بعض هذه القدرات والأفكار إلى شركات ناشئة.

وبالنسبة إلى «HP»، ستكون المرحلة التالية مرتبطة بمدى قدرة هذه المنظومة على إنتاج شركات ومنتجات وحلول تتجاوز الاحتياجات المحلية. فكما بدأت بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المطورة في السعودية في الوصول إلى أسواق خارجها، يقول سعد إن الطموح طويل الأمد هو أن يصبح التصنيع في المملكة أيضاً جزءاً من سلسلة الإمداد العالمية للشركة.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى