العالم يغرق في الديون.. لماذا أصبحت السندات غير الأميركية الحلقة الأضعف؟ : CNN الاقتصادية


ورغم اقتراب عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً من 5.34% خلال أغسطس/ آب، كانت الخسائر النسبية في عدد من الأسواق الخارجية أشد، بعدما بدأ المستثمرون إعادة تسعير قدرة الحكومات على تمويل نفسها من دون العودة إلى التضخم أو التقشف.
امتياز الدولار
تتمتع الولايات المتحدة بثلاثة خطوط دفاع لا تتوافر بالمستوى نفسه لمنافسيها، وهم الدولار عملة الاحتياط الرئيسية، وسوق الخزانة الأعمق والأكثر سيولة عالمياً، والاحتياطي الفيدرالي قادر على توفير السيولة بعملة تصدرها الحكومة نفسها.
ويقول خبراء استطلعت رويترز آرائهم إنه حتى عندما تتزايد المخاوف من العجز الأميركي، تستمر البنوك المركزية والصناديق والمؤسسات المالية في الاحتفاظ بسندات الخزانة لأغراض السيولة والضمانات وإدارة الاحتياطيات.
كما أظهرت رويترز قدرة وزارة الخزانة على تهدئة اضطرابات السوق سريعاً؛ إذ هبطت العوائد طويلة الأجل بنحو عشر نقاط أساس بعد إعلان مضاعفة عمليات إعادة شراء بعض السندات إلى أربعة مليارات دولار للعملية الواحدة.
ويشير خبراء أسواق المال إلى أنه خارج الولايات المتحدة، لا تكفي السيولة وحدها؛ فالأسواق تطالب الحكومات بعلاوة أعلى مقابل مخاطر سياسية أو تضخمية أو مخاطر عملة، وهو ما يحوّل ارتفاع العائد إلى أزمة مالية أسرع.
فرنسا تفقد علاوة الأمان
أصبحت فرنسا المثال الأوضح على انقلاب خريطة المخاطر الأوروبية. فقد تجاوز عائد سنداتها لأجل عشر سنوات نظيره الإيطالي خلال معظم الصيف، وبلغ نحو 4.1%، رغم أن إيطاليا تحمل نسبة دين أعلى.
وارتفع الدين الفرنسي إلى نحو 117% من الناتج، بينما يتجاوز العجز 5%، بالتزامن مع انقسام سياسي يهدد خطط ضبط الميزانية قبل انتخابات 2027.
وتحتاج باريس إلى إصدار سندات متوسطة وطويلة الأجل بقيمة صافية تبلغ 310 مليارات يورو في 2026، فيما تقدر خدمة دين الدولة بنحو 59.3 مليار يورو، بحسب وكالة الخزانة الفرنسية.
المشكلة ليست الإفلاس الفوري، بل إعادة تمويل الدين القديم بعوائد أعلى عاماً بعد آخر، بما يزاحم الإنفاق الاجتماعي والدفاعي والاستثماري.
إيطاليا.. تحسن لا يلغي الهشاشة
تراجعت إيطاليا مؤقتاً عن صدارة المخاوف، بعدما انخفض الدين من 154% من الناتج في 2020 إلى قرابة 139%، وحققت الحكومة فائضاً أولياً وأظهرت قدراً أكبر من الانضباط السياسي، لكن متوسط عمر الدين الإيطالي لا يتجاوز سبع سنوات تقريباً، ما يعني انتقال ارتفاع العوائد تدريجياً إلى فاتورة الفائدة، وفق فايننشال تايمز.
وبلغ متوسط تكلفة الإصدارات الجديدة 2.91% بنهاية مايو أيار، بحسب وزارة الاقتصاد والمالية الإيطالية. لذلك يبقى التحسن مشروطاً باستمرار الفائض الأولي والنمو، لا بانخفاض الدين فعلياً إلى مستوى آمن.
بريطانيا تدفع ثمن التضخم
تواجه لندن خطراً مختلفاً، حيث حساسية مرتفعة للتضخم والفائدة.
وصل عائد السندات البريطانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.02%، فيما قفز التضخم السنوي إلى 2.9% في يوليو تموز، وفق وول ستريت جورنال.
ويتوقع مكتب مسؤولية الميزانية إنفاق 111.2 مليار جنيه إسترليني على فوائد الدين في السنة المالية 2025-2026، أي 8.3% من الإنفاق العام. وتفاقم السندات المرتبطة بالتضخم، إلى جانب الفائدة التي يدفعها بنك إنجلترا على الاحتياطيات المصرفية، سرعة انتقال ارتفاع الأسعار والعوائد إلى الموازنة.
وهذا يضيّق قدرة البنك على شراء السندات؛ فأي تدخل واسع قد يُفسَّر باعتباره تمويلاً للعجز ويعيد إشعال التضخم.
اليابان تستيقظ من عصر المال المجاني
وتُعد اليابان الحلقة الأكثر حساسية حسابياً؛ فقد اقترب عائد سنداتها لأجل عشر سنوات من 3%، الأعلى منذ 1996، وتجاوز عائد الثلاثين عاماً 4%، بحسب رويترز، بينما يفوق الدين الحكومي 200% من الناتج.
وظل هذا العبء قابلاً للإدارة لأن الفائدة كانت قرب الصفر وبنك اليابان يملك حصة ضخمة من السوق، لكن عودة التضخم وضعف الين يفرضان تطبيع السياسة النقدية.
ومع تخصيص نحو 31.28 تريليون ين لخدمة وإدارة السندات في موازنة 2026، يصبح كل ارتفاع مستدام في الفائدة تهديداً تدريجياً للإنفاق العام.
بنوك مركزية داخل المصيدة
تستطيع البنوك المركزية شراء السندات ومنع انهيار السيولة، لكنها لا تستطيع إلغاء المخاطر المالية، فالبنك المركزي الأوروبي مقيد بخدمة 20 دولة وبشروط تمنع تمويل الحكومات مباشرة؛ وبنك إنجلترا يصارع التضخم؛ وبنك اليابان يخاطر بمزيد من ضعف الين.
أصبحت السندات غير الأميركية الحلقة الأضعف؛ لأن حكوماتها تقترض في أسواق أصغر، وبعضها لا يملك عملته المستقلة، بينما تواجه بنوكها المركزية مفاضلة قاسية بين حماية سوق الدين وحماية قيمة العملة.
أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من عجزها الضخم، فلا تزال تملك الامتياز الذي يبحث عنه المستثمرون وقت الخوف: إصدار الأصل الذي يلجأ إليه العالم عندما يفقد الثقة في بقية الأصول.




