«تقنيات السكري»… الأحدث ليس دائماً الأنسب

أتاحت التطورات المتسارعة في تقنيات السكري للمريض خيارات لم تكن متاحة من قبل، من المراقبة المستمرة للغلوكوز، إلى التطبيقات، والمنصات الرقمية التي تساعده وفريقه الطبي على متابعة المرض، واتخاذ القرارات العلاجية. لكن أمام هذا التنوع يبرز سؤال مهم: هل التقنية الأحدث هي بالضرورة الأفضل لكل مريض؟
يجيب عن هذا السؤال أحد المتخصصين في تقنيات السكري، الدكتور محمد المهذل، المدير الطبي ورئيس قسم تقنية السكري بمدينة الملك فهد الطبية، واستشاري الغدد الصماء والسكري وزراعة خلايا البنكرياس، مؤكداً أن الاختيار لا ينبغي أن تحكمه حداثة الجهاز، أو شهرته، بل مدى ملاءمته للمريض؛ فنوع السكري، والعمر، ونمط الحياة، والخطة العلاجية، والقدرة على استخدام التقنية، والاستمرار عليها، وحتى تكلفتها، وإمكانية الحصول عليها، كلها عوامل قد تجعل ما يناسب شخصاً غير مناسب لآخر. ومن هنا تتغير المعادلة: ينبغي أن تتناسب تقنية السكري مع المريض، وليس العكس.

من وخز الإصبع إلى المراقبة المستمرة
انتقلت رعاية السكري من القياسات المتفرقة بوخز الإصبع، وحقن الإنسولين التقليدية إلى تقنيات أكثر تطوراً، في مقدمتها المراقبة المستمرة للغلوكوز (CGM)، إلى جانب التطبيقات والمنصات الرقمية لمتابعة البيانات.
ويوضح المهذل أن أهمية هذا التطور تكمن في توفير صورة أشمل عن أنماط الغلوكوز، وتغيراته اليومية، بما يساعد المريض على فهم تأثير الغذاء، والنشاط البدني، والعلاج، والتعامل بصورة أفضل مع تغيرات السكر اليومية. وتعكس التقنيات التي وصلت حديثاً إلى المملكة هذا التطور، ومنها نظام FreeStyle Libre 3 Plus من شركة «أبوت»، بمستشعر يمتد استخدامه إلى 15 يوماً، ويوفر قراءات للغلوكوز كل دقيقة.
ويرى المهذل أن أثر هذه التقنيات لا يقتصر على متابعة مستويات السكر؛ فهي تساعد على تقليل نوبات الانخفاض، والارتفاع، والتذبذب، وتوفر معلومات تساعد المريض وفريقه الطبي في اتخاذ القرار. كما قد تخفف شيئاً من العبء اليومي لإدارة المرض. كما أسهمت التطبيقات والمنصات الرقمية في تسهيل مشاركة البيانات، والمتابعة عن بُعد، والتواصل مع الفريق الطبي، بما يدعم تعديل الخطة العلاجية بصورة أكثر دقة، واستمرارية.
• لا توجد تقنية واحدة للجميع. يؤكد المهذل أنه لا توجد تقنية واحدة هي الخيار الأفضل لجميع المرضى، حتى لمن يتشابهون في نوع السكري، والعمر؛ فالاختيار يتأثر بالخطة العلاجية، وخطر انخفاض السكر، ونمط الحياة، والقدرة على استخدام التقنية، والاستمرار عليها، ورغبات المريض، والدعم الأسري. لذلك ينبغي أن يكون الاختيار قراراً مشتركاً بين الطبيب والمريض. وقد يحضر إلى العيادة ثلاثة مرضى بالسكري من النوع الأول، ومتقاربون في العمر، ومع ذلك يوصي الطبيب لكل منهم بتقنية مختلفة؛ لأن تشابه التشخيص لا يعني تشابه الاحتياجات.
وتختلف الأولويات أيضاً باختلاف المرحلة العمرية. ففي الأطفال قد تُفضل التقنيات التي توفر التنبيهات، والمتابعة عن بُعد، وإشراف الوالدين، والمدرسة، مع مراعاة الأعمار المعتمدة تنظيمياً. أما كبار السن، فتراعى لديهم بساطة التقنية، ووضوح الشاشة، والتنبيهات، إلى جانب النظر، والسمع، والقدرات الإدراكية، والمهارية، وخطر انخفاض السكر، والحاجة إلى مقدم للرعاية.
وخلال الحمل تحتاج المرأة إلى مراقبة دقيقة لتحقيق أهداف الغلوكوز المطلوبة، وقد تستفيد من الحساسات المرخصة للاستخدام أثناء الحمل. كما تؤثر طبيعة العمل، والنشاط الرياضي، والسفر، ومواعيد النوم، والوجبات في اختيار التقنية الأنسب.
ولا تتوقف الملاءمة عند الحالة الصحية، ونمط الحياة؛ إذ ينبغي تقييم استعداد المريض للتعلم، والتعامل مع التنبيهات، وإدخال البيانات، وارتداء الجهاز بانتظام. فاستمرار الاستخدام، وفق المهذل، شرط لتحقيق الفائدة من التقنية، وتحويل بياناتها إلى قرارات يومية مفيدة.
•النوع الأول ليس كالثاني. تُعد المراقبة المستمرة للغلوكوز مفيدة جداً للمصابين بالسكري من النوع الأول؛ إذ تساعد، وفق المهذل، على تحسين مستويات السكر، وتقليل الانخفاض، والارتفاع، والتذبذب، وفهم الأنماط اليومية للغلوكوز.
أما في النوع الثاني، فيعتمد الاختيار على طبيعة العلاج، وتزداد أهمية التقنية مع استخدام الإنسولين، أو تكرُّر انخفاض السكر، أو الحاجة إلى فهم تأثير الغذاء والنشاط البدني في الغلوكوز.
ويرى المهذل أن نطاق الاستفادة منها أوسع من ذلك، ولا سيما لدى مستخدمي الإنسولين، والنساء خلال الحمل، ومن يعانون نوبات انخفاض السكر المتكررة، أو غير المحسوسة، أو تقلبات كبيرة في مستوياته. وكذلك لدى من يحتاجون إلى تحسين التحكم بالسكري، أو فهم أثر الغذاء، والنشاط البدني، والأدوية بصورة أدق، أو تتطلب حالتهم مراقبة متواصلة. وفي جميع هذه الحالات لا تتحقق الاستفادة بمجرد ارتداء الجهاز؛ بل تتطلب استخدامه بانتظام، وفهم البيانات، واتجاهاتها، ومراجعتها، والاستفادة منها بالتعاون مع الفريق الطبي.
التقنية: فوائد وإشكالات
•المجس الإلكتروني لا يعني الشفاء. من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن استخدام مجس الغلوكوز يعني الشفاء من السكري، أو الاستغناء عن المتابعة. فالتقنية تسهّل إدارة المرض، لكنها لا تلغي دور المريض، أو الحاجة إلى المتابعة، واتخاذ القرارات العلاجية.
كما لا يعني استخدام المجس الاستغناء التام عن وخز الإصبع؛ فقد يظل فحص السكر بالدم مطلوباً في بعض الحالات، مثل عدم توافق الأعراض مع قراءة الحساس، أو عندما يتطلب الجهاز المعايرة.
وفي المقابل، لا تحتاج هذه التقنيات إلى خبرة تقنية عالية، لكنها تتطلب تدريباً أساسياً للمريض أو مقدم الرعاية على تشغيل الجهاز، وفهم القراءات، والتنبيهات، والتعامل مع الأعطال البسيطة؛ فالاستفادة تعتمد على التعليم والدعم المستمرين أكثر من المهارة التقنية المسبقة.
ويشدد المهذل على أن نجاح التقنية يقوم على تكامل بين المريض، والتقنية، والفريق الصحي؛ يبدأ بالاختيار المناسب، ثم الاستخدام الصحيح، وفهم البيانات، وتحويلها إلى قرارات تتعلق بالغذاء، والنشاط البدني، والعلاج. ولذلك تظل مهارات مثل حساب الكربوهيدرات والمتابعة الطبية والتفاعل الصحيح مع القراءات ضرورية، مهما بلغت التقنية من التطور.
• عندما تتحول الأرقام إلى أخطاء. يحذر المهذل من أخطاء قد تحدث رغم توافر التقنية، منها إهمال جرعات الإنسولين مع الطعام، والمبالغة في تصحيح انخفاض السكر، وتكرار الجرعات التصحيحية قبل انتهاء مفعول الإنسولين، وإهمال تغيير مجموعة ضخ الإنسولين المستخدمة مع المضخة عند استمرار ارتفاع السكر، وعدم استجابته للتصحيح، وعدم فحص الكيتونات عند الارتفاع المستمر. ‹
ويمكن الحد منها بالتدريب، والاستجابة المناسبة للتنبيهات، وفحص السكر بالدم عند الشك، وتغيير مواضع الأجهزة دورياً، وفحص الكيتونات عند استمرار الارتفاع، مع الاحتفاظ بخطة بديلة، وأقلام إنسولين احتياطية. ولا يكفي ارتداء المجس، ومشاهدة الأرقام؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في فهم اتجاهاتها، وأنماطها المتكررة، ومعرفة ما الذي ينبغي فعله بناءً عليها، بالتعاون مع الفريق الطبي عند الحاجة.
• «إرهاق التقنية»: حين تصبح التنبيهات عبئاً. قد تتحول كثرة الأجهزة والبيانات والتنبيهات إلى مصدر للقلق أو الإرهاق لدى بعض المرضى. وهنا يبدأ التعامل، وفق المهذل، بتحديد مصدر المشكلة، وتبسيط التقنية، وتقليل التنبيهات غير الضرورية، وضبطها بصورة فردية، أو البدء بجهاز واحد، أو تجربة التقنية لفترة محددة، مع التدريب، والدعم. ] كما ينبغي للمريض مشاركة مخاوفه مع الفريق المعالج. وقد تفيد الاستشارة النفسية عند وجود قلق زائد، أو ضيق مرتبط بالسكري. وليس المريض مطالباً باستخدام جميع الخصائص والتنبيهات منذ البداية؛ إذ يمكن تخصيصها وفق احتياجاته، ونمط حياته. «فالهدف من التقنية تخفيف العبء لا زيادته».
تشابه التشخيص لا يعني تشابه الاحتياجات من أدوات المراقبة المستمرة للغلوكوز وتطبيقات متابعة البيانات
توصيات الطبيب
• كيف يعرف الطبيب أن التقنية تستحق التوصية؟ لا تكفي حداثة الجهاز، أو شهرته. فالتقييم، كما يوضح المهذل، يبدأ بالدليل العلمي، وجودة الدراسات، ثم الاعتماد التنظيمي، ودقة القياسات، وسلامة الجهاز والخوارزمية. ويُنظر أيضاً إلى قدرته على تحسين مؤشرات مثل «الوقت في النطاق المستهدف»، والسكر التراكمي، وتقليل انخفاض السكر، وتذبذبه. كما ينظر الطبيب إلى الدراسات التي شملت مرضى مشابهين من حيث العمر، ونوع السكري، والحمل، والأمراض المصاحبة، ثم يعيد بعد بدء الاستخدام تقييم الفائدة الفعلية، ورضا المريض، وقد يغيّر التقنية، أو يوقف استخدامها إذا أصبحت عبئاً على المريض من دون تحسن ملموس.
وقد يتحفظ الطبيب، مثلاً، على استخدام مضخة الإنسولين لدى مريض إذا كانت تتطلب مستوى من الالتزام أو المتابعة لا يتناسب مع نمط حياته، أو كانت هناك مخاوف تتعلق بسلامة الاستخدام، أو كانت قدرته على التعامل مع الأعطال والتنبيهات والقرارات العلاجية المرتبطة بها محدودة. ولا يعني ذلك استبعاد التقنية نهائياً؛ فقد يعاد تقييمها بعد التدريب، أو عند تغير ظروف المريض.
وتزداد ثقة الأطباء في التقنيات المدعومة بأدلة سريرية، وبيانات قوية من الممارسة الواقعية، والمتوافقة مع المعايير التنظيمية، ومنها معايير أنظمة المراقبة المستمرة المتكاملة للغلوكوز (iCGM) التي تعتمدها إدارة الغذاء والدواء الأميركية.
• إلى أين تتجه تقنيات السكري؟ يتوقع الدكتور محمد المهذل أن تصبح تقنيات السكري أكثر ذكاءً، وتكاملاً، وأتمتة، مع الجمع بين المراقبة المستمرة للغلوكوز والخوارزميات القادرة على تحليل الأنماط الشخصية، والتنبؤ بارتفاع الغلوكوز، أو انخفاضه، وتقديم تنبيهات أكثر دقة. وقد تتكامل بيانات الغلوكوز مستقبلاً مع النشاط البدني، والنوم، والتغذية، وغيرها من المؤشرات الصحية، فيما يمتد دور الذكاء الاصطناعي إلى دعم المتابعة عن بُعد، والتواصل بين المريض وفريقه الطبي، بهدف تقديم رعاية أكثر تخصيصاً، وتخفيف العبء اليومي. ومع تطور هذه الأنظمة، قد تقل الحاجة إلى التدخل اليدوي في إدارة السكري، مع قدرة متزايدة على تخصيص العلاج وفق استجابة كل مريض، واحتياجاته. ويختتم الدكتور محمد المهذل برسالة إلى مرضى السكري وأسرهم: التقنية، مهما بلغت من التطور، وسيلة للمساعدة على ضبط مستويات السكر، وتخفيف العبء، وتحسين جودة الحياة، وليست هدفاً بحد ذاتها. وينبغي اختيارها مع الفريق العلاجي، وفهم قراءاتها، وتنبيهاتها، والالتزام بالمتابعة، والاحتفاظ بخطة علاج بديلة، وطلب الدعم عند الحاجة. وفي النهاية، ليست التقنية الأفضل هي الأحدث بالضرورة، وإنما تلك التي تناسب المريض، ويستطيع استخدامها بصورة صحيحة، وآمنة، وتساعده فعلاً على تحسين التحكم بالسكري، وتخفيف عبئه، والارتقاء بجودة حياته.
* استشاري طب المجتمع



