«حماس» تقبل «صياغة نهائية» للمرحلة الثانية من اتفاق غزة بضمانات أميركية

توصل فريق التفاوض الفلسطيني من «حماس»، في الساعات الأولى ما بعد منتصف الليل، إلى اتفاق مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، بشأن الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يتعلق بشكل أساسي بحصر سلاح الفصائل بقطاع غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية.
مفاوضات شاقة..
أكد باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» وعضو فريق التفاوض، في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»، التوصل إلى اتفاق وصياغات نهائية بعد حل البندين الخامس المتعلق بالموظفين وحقوقهم، والثامن المتعلق بالسلاح.

وحصلت «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة على صورة من المسودة المتعلقة بالبندين اللذين كانا سبباً في الخلافات خلال الفترة الماضية.
ووصف غازي حمد، عضو الفريق المفاوض، المفاوضات، بأنها كانت صعبة وقاسية، مشيراً في تصريحات متلفزة إلى أنه تم التوصل لأفضل صيغة يمكن الوصول إليها، مشيراً إلى أن قضية حصر السلاح مرتبطة بقضايا الانسحاب وإعادة الإعمار ولن يتم تنفيذ هذه الخطوة بدون تنفيذ ما يقع على إسرائيل من انسحاب والتزامات أخرى.
فيما قال مصدر قيادي آخر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم ذكر هويته، إن الكرة الآن في ملعب إسرائيل، الذي رجح أنها ستواصل مماطلتها، رغم أن الاتفاق أخذ وقتاً طويلاً حتى تم التوصل إليه بعد مفاوضات شاقة، لافتاً إلى أن هناك ضمانات أميركية بإلزام الحكومة الإسرائيلية بما يقع عليها من التزامات في الاتفاق وبما يضمن انسحابها.

تفاصيل من الاتفاق
بيّن المصدر أن الاتفاق سيطبق خطوة بخطوة، وبما يشمل ما تبقى من المرحلة الأولى خاصةً البروتوكول المتعلق بالمساعدات الإنسانية وإدخال مواد لإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس والبنية التحتية، إلى جانب زيادة عدد الشاحنات اليومية، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية كاملةً وفق جداول زمنية محددة.
وأوضح المصدر أنه ستكون هناك مهلة 14 يوماً تمهيدية لوقف إسرائيل غاراتها وعملياتها داخل القطاع، كخطوة أولى تقابلها زيادة المساعدات الإنسانية بما يشمل إدخال 600 شاحنة، وبينها محروقات بما لا يقل عن 50 شاحنة، مشيراً إلى أن هذه المادة قابلة للزيادة بهدف إتاحة المجال أمام الجهات الضامنة والمراقبة تنفيذ الاتفاق بشكله الصحيح، على أن يتم بشكل تدريجي الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وخطوة بخطوة.
ولفت إلى أن هناك موافقة واضحة على تفكيك العصابات المسلحة وجمع سلاحها، معتبراً هذا من الإنجازات المهمة للاتفاق لضمان الأمن والاستقرار.
وبيّن أنه تم في البند الثامن إدراج الأنفاق ومخازن الأسلحة وأماكن تصنيعها بدون الإشارة بشكل صريح لمصطلح البنية التحتية. وأشار إلى أن البند الخامس يشمل ضمان حقوق الموظفين جميعاً وفق القانون الفلسطيني، إلى جانب حقوق شركات وموردين كانوا يعملون على توريد معدات وغيرها للحكومة بغزة.
ولفت المصدر إلى أن الخطوات الفنية القادمة سيتم ترتيبها لاحقاً من قبل مصر والوسطاء، مرجحاً أن يعقد لقاء يضم الوسطاء على مستوى الوزراء، إلى جانب المبعوث الأميركي، جاريد كوشنر، والممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف.
وتشير المسودة النهائية للصياغات، التي توصلت إليها «حماس» مع الوسطاء، إلى أنها تمت بعلم وموافقة الولايات المتحدة التي تابع مسؤول فيها من فريق جاريد كوشنر، عملية التفاوض عن قرب خلال وجوده بالقاهرة. كما أكد مصدران من «حماس» وثالث من الفصائل الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط».
وتنص المسودة على حصر وتخزين السلاح الثقيل بما يشمل مواقع إنتاج وتخزين الوسائل القتالية، والأنفاق، لحصرها لدى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وبإشراف ومتابعة قوة الاستقرار الدولية ولجنة التحقق التي تضم عدة جهات منها «القوة» و«مجلس السلام» والدول الوسيطة، على أن تتم هذه العملية بشكل تدريجي ومتسلسل، على أن يتم إعداد جدول زمني خلال مدة الـ14 يوماً والقابلة للتمديد، المشار إليها لعملية الحصر ودخول اللجنة وقوة الاستقرار للقطاع.

ويربط الاتفاق حصر السلاح بانسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق سيطرتها داخل القطاع، التي تصل إلى نحو 70 في المائة، كما أنه يرتبط بمسار سياسي شامل يتعلق بمصير القضية الفلسطينية، بما يشمل تحقيق المصير وإقامة دولة.
خطوة تاريخية
احتفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بهذا الاتفاق، ووصف ما جرى بأنه اتفاق تاريخي، لنزع سلاح «حماس» والجماعات المسلحة الأخرى بغزة، بشكل كامل، وأنها خطوة تهدف إلى تحقيق السلام والأمن الدائمين.
وقال ترمب إن عملية نزع السلاح ستتم عبر «مراحل منظمة بعناية»، مشيراً إلى أنه مع تقدم العملية ستنسحب إسرائيل، وستتعاون قوة الاستقرار الدولية مع قوة شرطة فلسطينية جديدة لضمان الأمن في غزة.

فيما قال «مجلس السلام»، إن الاتفاق ينهي أشهراً من المفاوضات المكثفة بحسن نية لتعزيز رؤية ترمب، لإقامة حكم جديد وأمن وحماية إنسانية وإعادة إعمار وانتعاش اقتصادي في غزة، كما هو منصوص عليه في خطة السلام الشاملة وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، مؤكداً أن خريطة الطريق تمثل اختراقاً تاريخياً، بعد أن التزمت «حماس» رسمياً للمرة الأولى بخطة قابلة للتنفيذ للتخلي عن جميع أسلحتها، التي ستتبعها الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
وأضاف المجلس، في بيان له على منصة «إكس»: «إنها تحمل وعداً بتقديم فوائد كبيرة لشعب غزة، الذي انتظر طويلاً مستقبلاً أفضل، وأمناً لشعب إسرائيل»، مشيراً إلى أن التركيز ينصب الآن على تسريع دخول اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار إلى القطاع قريباً للانتقال تدريجياً نحو السلطة الكاملة.
كما رحبت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، بهذا الاتفاق، معتبرةً ذلك يمثل محطة مهمة لسكان القطاع، مؤكدةً على جاهزيتها لتحمل مسؤولياتها، مبينةً أنها ستركز على استعادة عمل مؤسسات الإدارة العامة، وإعادة الخدمات الأساسية، وتحسين الأوضاع الإنسانية وتعزيز الأمن العام، ووضع الأسس اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار، وتهيئة البيئة الداعمة للتنمية وخلق الفرص الاقتصادية.
تباين فلسطيني وصمت إسرائيلي
في الوقت الذي تؤكد فيه حركة «حماس» أن المفاوضات والصياغة النهائية جرت بتوافق كامل مع الفصائل الفلسطينية، إلا أن حركة «الجهاد الإسلامي»، أقرب فصيل إسلامي لها، أبدى تحفظه إزاء ما تم التوصل إليه.
وقالت «الجهاد الإسلامي»، في بيان مقتضب لها، إن «ما تم الإعلان عنه من اتفاق بين الفصائل والعدو في وسائل الإعلام غير دقيق… ونحن نتحفظ عليه بالصيغة الحالية المتداولة».

وأبدى مصدر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، استغرابه من بيان «الجهاد الإسلامي»، مؤكداً أنه عقد اجتماع مع ممثلين عن الحركة و«الجبهة الشعبية» في القاهرة، حيث تم إطلاعهم على صورة ما جرى من اتفاق وكانت الأجواء إيجابية.
في بيان لها، قالت «الجبهة الشعبية» إن قطاع غزة يقف في الأمتار الأخيرة أمام اتفاق ينهي الحرب ويسمح ببدء الإعمار، مشيرةً إلى أن «قوى المقاومة» قدمت كل ما هو مطلوب من أجل وقف العدوان، مشددةً على ضرورة التنفيذ الكامل وغير المنقوص للاتفاق، وفتح المعابر وإدخال المساعدات ودخول اللجنة الإدارية للقطاع لتولي مهامها فوراً، ورفض أي شكل من أشكال الوصاية أو الهيمنة الخارجية على الفلسطينيين، والتأكيد أن ذلك لا يمكن أن يتحقق دون إلزام الاحتلال بتنفيذ استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار.
فيما لم يصدر أي تعليق إسرائيلي رسمي، بينما قال مصدر سياسي لوكالة الصحافة الفرنسية، إن المقترحات لا تلبّي «بشكل مرضٍ» مطالب الدولة العبرية، مؤكداً أن «إسرائيل تطالب بنزع كامل لسلاح (حماس)، بما في ذلك إخراج الأسلحة من غزة وتجريد القطاع من السلاح كشرط مسبق لأي عملية»، مؤكداً أن الجيش لن ينسحب «قبل أن يُنزع سلاح الحركة ويصبح القطاع مجرداً من السلاح».
عقبات ومحاذير
يثير الاتفاق بعض المخاوف من إمكانية عقبات كبيرة قد تواجهه خاصةً فيما يتعلق ببنود الانسحاب وحصر السلاح في ظل إصرار إسرائيل على عدم الانسحاب من كامل مساحة القطاع المحتلة، وكذلك تسليم السلاح الخفيف إلى جانب الثقيل، ونقله إلى خارج القطاع وليس بقاءه فيه.
وفقاً لتقديرات فلسطينية وإسرائيلية، فإن الاشتراطات من الجانبين قد تعرقل عملية التطبيق التي يبدو أنها ستكون طويلة وليست سهلة وسريعة.
وتشير التقديرات إلى أن رفض إسرائيل ربط وجود مسار سياسي يفضي لإقامة دولة فلسطينية، بنزع أو حصر السلاح، سيثير الكثير من الخلافات، خصوصاً وأن «حماس» تربط الأمرين معاً.
وفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، فإن الولايات المتحدة انتهجت نفس النهج السابق في الاتفاق الأول الذي ما زال معطلاً بشكل كبير في بنوده، والذي تم التوصل إليه في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مشيرةً إلى أن الإدارة الأميركية بحثت عن تحقيق إنجازات بدون حل المعضلات والمشاكل الحقيقية التي ستعمل على حلها لاحقاً.




