شؤون عربية ودولية

مستقبل المعاملات الرقمية.. كيف تُغير العملات المشفرة المشهد المالي في الشرق الأوسط؟ : CNN الاقتصادية


يشهد النظام المالي في الشرق الأوسط ثورة صامتة تقودها الأصول الرقمية؛ فبعد سنوات من الترقب، دخلت المنطقة حقبة جديدة تضعها في قلب التحول المالي العالمي، ولم يعد السؤال اليوم هو هل ستنجح هذه التكنولوجيا، بل كيف ستُعيد صياغة تعاملاتنا اليومية؟
لم تعد العملات المشفرة في الشرق الأوسط قصة مضاربة على بيتكوين فقط، فالمنطقة تتحرك نحو نظام مالي مزدوج: بنوك مركزية تبني عملات رقمية سيادية وشبكات دفع فورية، وحكومات تسمح تدريجياً بالأصول المشفرة داخل أطر ترخيص ورقابة صارمة.

الفارق الجوهري أن العملات الرقمية للبنوك المركزية مثل «الدرهم الرقمي» أو مشاريع الجملة العابرة للحدود تُدار من السلطات النقدية، بينما العملات المشفرة الخاصة مثل بيتكوين وإيثريوم وأصول الستيبلكوين تعمل عبر منصات وشبكات خاصة وتخضع لمخاطر السوق والتنظيم.

ويرى خبراء أسواق المال أن التحول لم يعد نظرياً، ففي 2025، قالت شركة تشيناليسيس (Chainalysis) الأميركية لتحليل البلوكتشين، إن حجم معاملات العملات المشفرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بلغ ذروته فوق 60 مليار دولار في ديسمبر كانون الأول 2024، قبل أن يهدأ نسبياً في 2025، لكنه ظل يسجل نمواً سنوياً قوياً.

ووفق التقرير نفسه، جاءت تركيا في صدارة المنطقة بنحو 200 مليار دولار من المعاملات السنوية، تلتها الإمارات بنحو 53 مليار دولار، ما يعكس أن الطلب لم يعد محصوراً بالأفراد، بل بات يمتد إلى المؤسسات والتحوط والمدفوعات العابرة للحدود.

الإمارات تقود النموذج الأكثر تقدماً

الإمارات هي الحالة الأوضح في العالم العربي لدمج الأصول الرقمية داخل النظام المالي. لديها ثلاث طبقات تنظيمية: مصرف الإمارات المركزي للمدفوعات والرموز المرتبطة بالقيمة، سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضية (VARA)، وسوق أبوظبي العالمي (ADGM) الذي يتيح أنشطة الأصول الافتراضية والرموز المرتبطة بالعملات والأوراق المالية الرقمية، كما أعلنت وزارة المالية الإماراتية في 2026 عن دور رخصة دبي فارا للعملات المشفرة (VARA) ضمن منظومة ضريبة الشركات، في خطوة لا تنشئ قواعد احترازية جديدة لكنها تؤكد إدماج نشاط الأصول الافتراضية في الإطار القانوني الأوسع.

في المدفوعات اليومية، تبرز منصة «آني» كدليل على أن البنية التحتية الرقمية سبقت تبني العملات المشفرة نفسها، ووفق مصرف الإمارات المركزي وشركة الاتحاد للمدفوعات، تجاوز عدد مستخدمي «آني» 12.5 مليون مستخدم، مع تنفيذ التحويلات الفورية خلال 3 ثوانٍ، واندماج المنصة مع 85% من البنوك و10% من شركات الصرافة و5% من المحافظ الرقمية وشركات التمويل، إلى جانب نحو 774 ألف تاجر.

أما على مستوى العملات الرقمية السيادية، فتشارك الإمارات في مشروع (mBridge)، وهو منصة متعددة العملات الرقمية للبنوك المركزية وصلت إلى مرحلة «الحد الأدنى من المنتج القابل للتشغيل» في 2024، وتهدف إلى تمكين المدفوعات والتسوية العابرة للحدود بشكل فوري وأرخص بين البنوك المركزية والتجارية.

ريادة إماراتية في تداولات العملات الرقمية عربياً

ريادة إماراتية في تداولات العملات الرقمية عربياً (شترستوك)

البحرين: ترخيص مبكر لاختبار سوق منظم

اختارت البحرين مساراً مباشراً، وهو الترخيص لمنصات الأصول المشفرة تحت إشراف المصرف المركزي، ففي يناير كانون الثاني 2025، منح مصرف البحرين المركزي شركة (Fasset Financial Services) ترخيص مزود خدمات أصول مشفرة من الفئة الثالثة، ما يسمح لها بتقديم خدمات تداول الأصول المشفرة داخل المملكة.

وقال المصرف في بيان له إن ذلك رفع عدد مزودي خدمات الأصول المشفرة بجميع فئاتهم إلى 8، منها 5 تراخيص من الفئة الثالثة منذ 2020.

يقول عمرو وهيب، خبير أسواق المال وعضو مجلس إدارة شركة كايزن للاستشارات المالية، لـ«CNN الاقتصادية» إن هذا القرار يضع البحرين ضمن الدول العربية القليلة التي لا تكتفي بالتحذير من العملات المشفرة، بل تسمح بها ضمن نظام ترخيص ومكافحة غسل أموال وحوكمة امتثال.

ويضيف أن الرهان البحريني أقل اتساعاً من دبي وأبوظبي، لكنه أكثر وضوحاً من أسواق عربية كثيرة لا تزال بين الحظر أو المنطقة الرمادية.

قطر والأردن: ترميز الأصول قبل فتح الباب كاملاً

قطر لم تفتح سوقاً حرة للعملات المشفرة بالمعنى التقليدي، لكنها أطلقت إطار الأصول الرقمية في مركز قطر للمال في 2024. الإطار يمنح اعترافاً قانونياً بالرموز، وعمليات الترميز، وحقوق الملكية في الأصول المرمزة، والحفظ، والنقل، والتبادل، كما يعترف بالعقود الذكية.

أما نموذج الأردن فانتقل في 2025 من الحظر إلى التنظيم، فبحسب مكتبة الكونغرس الأميركي، بدأ الأردن تنفيذ إطار عبر نظام ترخيص مزودي خدمات الأصول الافتراضية، ولا يجوز لأي جهة ممارسة نشاط أصول افتراضية من دون ترخيص من هيئة الأوراق المالية الأردنية، مع متطلبات لرأس المال والحوكمة والتكنولوجيا وإدارة المخاطر ومكافحة غسل الأموال.

المغرب ومصر: العملات الرقمية السيادية أولاً.. والكريبتو بحذر

يقول خبير أسواق المال إن المغرب لا يزال في مرحلة انتقالية، فالعملات المشفرة محظورة منذ 2017، لكنها مستخدمة في السوق غير الرسمية. في يوليو 2025.

وقال محافظ بنك المغرب إن البنك يدرس عملة رقمية للبنك المركزي لاستخدامات الند للند والتحويلات العابرة للحدود، بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدولي، كما يدرس مع البنك المركزي المصري والبنك الدولي استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية في التحويلات العابرة للحدود، وفي الوقت نفسه، يوجد مشروع قانون لتنظيم الأصول المشفرة قيد المراجعة لدى وزارة المالية المغربية.

وبالحديث عن مصر فهي تتبع نهجاً أكثر تحفظاً تجاه العملات المشفرة الخاصة، حيث إن قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 يحظر إصدار أو تداول أو الترويج للعملات المشفرة أو وحدات التشفير من دون موافقة مسبقة من البنك المركزي المصري، مع عقوبات تشمل الغرامة والحبس؛ لذلك لا يمكن اعتبار العملات المشفرة جزءاً مرخصاً من النظام المالي المصري حتى الآن، رغم أن القاهرة تتحرك بقوة في المدفوعات الرقمية والشمول المالي.

السعودية: تحرك سيادي لا ترخيص شامل للكريبتو

السعودية لا تملك حتى الآن إطاراً شاملاً يشرّع تداول العملات المشفرة الخاصة على غرار الإمارات أو البحرين، لكنها نشطة في العملات الرقمية السيادية بالجملة، حيث شاركت مع الإمارات في مشروع «عابر» لاختبار عملة رقمية مشتركة بين البنكين المركزيين، ثم انضمت في 2024 إلى مشروع (mBridge) بجانب الإمارات والصين وهونغ كونغ وتايلاند، وهو مشروع يهدف لمعالجة بطء وكلفة وتعقيد المدفوعات العابرة للحدود.

ويرى خبير أسواق المال أن تحركات السعودية في قطاع الكريبتو تعكس فلسفة مختلفة قائمة على تحديث بنية المدفوعات والتسويات بين البنوك أولاً، ثم التعامل بحذر مع الأصول المشفرة الخاصة، كما أن التحول الرقمي في المدفوعات التقليدية أصبح واسعاً، إذ وصلت المدفوعات غير النقدية في السعودية إلى 79% من معاملات التجزئة في 2024، متجاوزة هدف 2025 قبل موعده، وفق تصريحات لمسؤول في البنك المركزي السعودي نقلتها (Arab News).

كيف يتغير النظام المالي في الشرق الأوسط؟

يقول خبير أسواق المال إنه ثمة العديد من التحولات في النظام المالي للشرق الأوسط، أبرزها التحول الأول وهو انتقال المدفوعات من «قنوات بنكية مغلقة» إلى بنية فورية قابلة للبرمجة، وصف تقرير لمؤسسة (McKinsey) لعام 2025 المدفوعات بأنها عند نقطة تحول، مع صعود أنظمة متعددة: بعضها مركزي وقابل للتشغيل البيني، وبعضها لامركزي أو مدمج داخل منصات رقمية لا تنتمي تقليدياً للقطاع المالي.

والتحول الثاني هو ترميز الأصول، مثل العقارات، السندات، الصكوك، الأسهم الخاصة، الفواتير التجارية، وحتى السلع يمكن أن تتحول إلى رموز رقمية قابلة للتسوية الفورية أو التداول الجزئي. هذا لا يعني اختفاء البنوك، بل يعني أن البنوك ستتحول إلى أمناء حفظ ومشغلي تسوية ومزودي امتثال بدلاً من كونها مجرد وسيط تقليدي.

والتحول الثالث هو إعادة هندسة المدفوعات العابرة للحدود، فبالنسبة للشرق الأوسط، هذه نقطة حساسة بسبب التجارة النفطية، تحويلات العمالة، التجارة مع آسيا، وسلاسل الإمداد، مشيراً إلى مشروعات مثل (mBridge) لا تلغي الدولار فوراً، لكنها تخلق طبقة بديلة للتسوية بين البنوك المركزية يمكن أن تقلل زمن التحويل وكلفته، خصوصاً في التجارة بين الخليج وآسيا.

والتحول الرابع هو صعود الستيبلكوين والعملات المرتبطة بالعملات السيادية، ففي الأسواق المنظمة مثل الإمارات، يمكن أن تصبح الستيبلكوين جسراً بين الاقتصاد التقليدي والبلوكتشين، خصوصاً في التجارة الإلكترونية، المدفوعات العابرة للحدود، وتسوية الأصول المرمزة. لكنها ستظل مرتبطة بقدرة الجهات المنظمة على ضبط الاحتياطيات، منع غسل الأموال، وحماية المستهلكين.

كيف يؤثر قانون الوضوح الأميركي في الشرق الأوسط؟

يقول أحمد عزام، رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة «إكويتي»، لـ«CNN الاقتصادية» إن قانون الوضوح الأميركي للأصول الرقمية قد يشكل نموذجاً مهماً لدول الشرق الأوسط، لا لنسخه حرفياً، بل لاستلهام منطقه التنظيمي.

فالمنطقة، خصوصاً الخليج، تمتلك فوائض مالية ضخمة وصناديق سيادية ومراكز مالية طموحة وتدفقات تجارية وتحويلات عمالة كبيرة، ما يجعل العملات الرقمية المحتملة جزءاً من بنية انتقال الأموال، لا مجرد أداة استثمارية.

ويؤكد عزام أن التحدي الأساسي في سوق الكريبتو لم يكن التكنولوجيا، بل الغموض التنظيمي: من الجهة المسؤولة عن الرقابة؟ هل الأصل الرقمي ورقة مالية أم سلعة؟ كيف تُحمى حقوق المستثمرين؟ وماذا يحدث عند فشل منصة أو انهيار عملة مستقرة؟ لذلك، تحتاج الأسواق العربية إلى تعريفات واضحة للأصول، وتراخيص دقيقة للمنصات، وقواعد للحفظ والإفصاح، لأن رأس المال المؤسسي لا يدخل سوقاً إلا عندما تكون المسؤولية القانونية وآليات الرقابة والتسوية واضحة.

ويرجح عزام أن تدخل العملات الرقمية في الشرق الأوسط عبر البنوك والجهات المنظمة، لا كبديل ثوري ضدها، إذ قد تتحول البنوك إلى أمناء حفظ للأصول الرقمية، ومشغلي محافظ مرخصة، وجسور بين المستثمرين والأسواق المرمزة

ويعتبر الخبير في أسواق المال والعملات الرقمية أن الملف الأهم في المرحلة المقبلة ليس بيتكوين، بل العملات المستقرة، لدورها المحتمل في المدفوعات والتجارة الإلكترونية وتحويلات العمالة وتسويات الشركات، مع ما تحمله من مخاطر على الودائع المصرفية وسيادة السياسة النقدية إذا نمت خارج الرقابة.

عملات مشفرة

قانون الوضوح يرسم مستقبل العملات الرقمية عالمياً (شترستوك)

ويحذر من أن غياب عملات مستقرة محلية منظمة ومدعومة بالكامل قد يدفع جزءاً من الاقتصاد الرقمي العربي للاعتماد على عملات مستقرة دولارية، بما يعزز ما يسميه «الدولرة الرقمية».

وفي المقابل، يمكن للإمارات أو السعودية أو قطر بناء أطر محلية قوية تجعل هذه الأدوات جزءاً من منظومة المدفوعات المستقبلية، كما يظهر في ترخيص الإمارات لـ(Crypto.com) لتفعيل مدفوعات بالأصول الافتراضية مع تسويات بالدرهم أو بعملات مستقرة معتمدة. ويشير أيضاً إلى أن ترميز الأصول قد يفتح الباب أمام سيولة أعلى وتسوية أسرع في الصكوك والعقارات والبنية التحتية والطاقة، لكنه يتطلب تنظيماً وإفصاحاً قوياً.

أما جيوسياسياً، فتُظهر مشروعات مثل (mBridge) أن العملات الرقمية للبنوك المركزية قد تصبح أداة إضافية في تسويات التجارة العابرة للحدود، من دون أن تعني نهاية دور الدولار لكنها تفتح خيارات دفع وتسوية جديدة للمنطقة.

كيف يستفيد المستثمرون؟

المستثمرون سيستفيدون من النظام الرقمي الجديد عبر 5 مسارات رئيسية، الأول هو الوصول إلى أصول جديدة مثل الصناديق الرقمية، الرموز المرتبطة بالأصول الحقيقية، ومنتجات التحوط القائمة على البلوكتشين، والثاني هو خفض كلفة التحويلات والتسويات، خصوصاً للشركات العاملة بين الخليج وآسيا أو بين أسواق عربية متعددة، والثالث هو السيولة الجزئية، إذ يمكن أن يسمح الترميز بتملك حصص صغيرة في أصول كانت حكراً على كبار المستثمرين.

والمسار الرابع هو سرعة التسوية، ما يقلل مخاطر الطرف المقابل ويحرر رأس المال العامل، أما الخامس هو تنويع المحافظ، مع بقاء العملات المشفرة فئة عالية المخاطر وليست بديلاً عن أدوات الدخل الثابت أو الأسهم المنظمة.

لكن الاستفادة ليست مضمونة، فالقاعدة الأولى للمستثمر في الشرق الأوسط هي أن التنظيم أهم من السعر، والاستثمار عبر منصة مرخصة في الإمارات أو البحرين أو الأردن يختلف تماماً عن التداول عبر منصة خارجية غير مرخصة في بلد يحظر النشاط.

والقاعدة الثانية أن العملات المشفرة ليست كلها سواء: بيتكوين أصل عالي التقلب، الستيبلكوين أداة مدفوعات مشروطة بجودة الاحتياطيات، والرموز الممثلة لأصول حقيقية تعتمد على قوة الإطار القانوني الذي يربط الرمز بالأصل.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى