شؤون عربية ودولية

هروب من أميركا إلى ألمانيا.. كيف أصبحت السندات الألمانية ملاذ المستثمرين؟ : CNN الاقتصادية



في الوقت الذي تتعرض فيه أسواق السندات العالمية لموجة بيع واسعة، يحدث تحول لافت في خريطة الأمان المالي: المستثمرون الذين يقلصون تعرضهم لسندات الخزانة الأميركية يجدون في ألمانيا وجهة أكثر جاذبية، بينما تواجه دول أوروبية أخرى ارتفاعًا في تكلفة الاقتراض واتساعًا في علاوة المخاطر.
وانخفض العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بنحو 0.17 نقطة مئوية خلال الأسبوع، في المقابل ارتفعت عوائد السندات الفرنسية والإيطالية وسندات الخزانة الأميركية. وتعكس هذه التحركات إعادة توزيع للأموال داخل أسواق الديون، مع تزايد البحث عن الاقتصادات التي تتمتع بقدر أكبر من المصداقية المالية والاستقرار في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن الديون والعجز والنمو.

وصعد عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات بنحو 0.14% خلال الأسبوع، بينما ارتفع العائد على السندات الإيطالية بنحو 0.07% في حين زادت عوائد سندات الخزانة الأميركية بنحو 0.07%، وفق ما نقلته صحيفة «فايننشال تايمز» عن محللين ومستثمرين.

وهكذا لا تبدو قصة السندات الألمانية مجرد تراجع في العائد، بل إشارة إلى تحول أوسع في نظرة المستثمرين إلى مفهوم «الملاذ الآمن» نفسه.

وتتحرك أسعار السندات والعوائد في اتجاهين متعاكسين؛ إذ يؤدي ارتفاع الطلب على السندات إلى صعود أسعارها وانخفاض العائد عليها.

المستثمرون يبحثون عن الأمان

قال رينوت دي بوك، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأوروبية في بنك UBS، إن الطلب على السندات الألمانية باعتبارها ملاذًا آمنًا يتزايد، في ظل موجة بيع للسندات العالمية مدفوعة بمزيج من النمو الاقتصادي المرن ومخاطر أسعار الطاقة واتساع الطلب على رأس المال.

ويرى أليس كوتني، رئيس أسعار الفائدة الدولية في شركة Vanguard لإدارة الأصول، أن أوروبا الأساسية بدأت تظهر كوجهة للملاذات الآمنة، مشيرًا إلى ألمانيا وهولندا وسويسرا.

وتستفيد هذه الدول، وفق كوتني، من انخفاض مستويات الدين مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع المصداقية المالية، وانخفاض حالة عدم اليقين المتعلقة بالسياسات.

لماذا تتجه الأموال إلى ألمانيا؟

تأتي جاذبية السندات الألمانية في وقت يواجه فيه المستثمرون خيارات أقل داخل الأسواق الكبرى.

فبيانات تشير إلى قوة النمو الاقتصادي الأميركي دفعت المستثمرين خلال الأسابيع الماضية إلى بيع سندات الخزانة الأميركية، وسط رهانات على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لمنع الاقتصاد من التعرض لارتفاع مفرط في النشاط.

وسجلت سندات الحكومة الأميركية أسوأ أداء شهري لها منذ عام 2022 خلال سبتمبر، وفق «فايننشال تايمز».

وفي أوروبا، عاد شبح المخاطر المالية إلى الواجهة، خصوصًا مع اقتراب الموازنة الفرنسية وانتخابات الرئاسة المقررة العام المقبل، ما أعاد تركيز المستثمرين على مستويات الدين المرتفعة في بعض الاقتصادات.

فرنسا تدفع الثمن

كان التحول في أسواق السندات الأوروبية أكثر وضوحًا بالنسبة لفرنسا.

وارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى 1.5%  يوم الجمعة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2012، قبل أن يتراجع لاحقًا إلى نحو 1.4 نقطة.

ويُنظر إلى الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية باعتباره مؤشرًا مهمًا على حجم علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالدين الفرنسي بدلًا من الدين الألماني.

ووصفته إيفلين غوميز-ليختي -استراتيجية الأصول المتعددة لدى بنك Mizuho- بأنه مستوى مهم نفسيًا للسوق.

وقالت إن الاتساع الحاد في فروق العوائد بمنطقة اليورو خلال تعاملات الخميس أدى إلى موجة قوية من انتقال الأموال نحو الأصول الألمانية باعتبارها أكثر أمانًا.

إيطاليا تدخل دائرة الضغط

لم تقتصر موجة البيع على فرنسا.

فالسندات الإيطالية واليونانية تعرضت أيضًا لضغوط بالتزامن مع تراجع السندات الفرنسية، رغم أن إيطاليا واليونان كانتا في السابق من أبرز بؤر القلق المرتبطة بأزمة الديون السيادية في منطقة اليورو.

وأدت القفزة الكبيرة في أسعار السندات الألمانية وانخفاض عوائدها إلى زيادة الفارق الذي تدفعه دول مثل فرنسا وإيطاليا على ديونها لأجل 10 سنوات مقارنة بألمانيا.

ويرى محللون أن هذه التحركات تعكس إعادة تقييم المستثمرين للمخاطر في الاقتصادات الأوروبية التي تعاني مستويات أعلى من العجز أو نموًا اقتصاديًا أضعف.

المستثمرون ينسحبون من رهانات محفوفة بالمخاطر

أدت التحركات الحادة في الأسواق إلى خسائر في بعض استراتيجيات التداول التي كانت تراهن على تفوق سندات دول أوروبية مثل إيطاليا على السندات الألمانية.

وقال دي بوك إن صناديق التحوط اضطرت إلى التخلي عن بعض التداولات التي كانت تحظى بشعبية، مع اتساع التحركات في الأسواق.

وتعرضت استراتيجيات تداول تعتمد على شراء السندات الفرنسية والمراهنة في المقابل على عقود مبادلة أسعار الفائدة الأوروبية لضغوط قوية أيضًا.

وارتفع العائد الإضافي على السندات الفرنسية لأجل خمس سنوات مقارنة بعقود مبادلة أسعار الفائدة الأوروبية ذات الأجل نفسه إلى نحو 0.8%، وهو أكبر فارق منذ عام 2011.

هل تعود الأموال إلى أوروبا؟

المفارقة أن المستثمرين لا يتخلون بالضرورة عن أوروبا، وإنما يعيدون توزيع أموالهم داخلها.

وقال دي بوك إن هناك طلبًا متزايدًا على تنويع الاستثمارات بعيدًا عن سندات الخزانة الأميركية، لكن المشكلة تكمن في أن عدد الأسواق الأوروبية التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الأمان المالي أقل مما كان المستثمرون يتوقعون.

وبحسب استراتيجي UBS، أصبح المستثمرون يريدون زيادة مخصصاتهم لأوروبا، لكن ارتفاع العجز في بعض الدول والمخاطر المالية يقلصان عدد الخيارات المتاحة أمامهم.

ولهذا يفضل دي بوك حاليًا السندات الألمانية على أدوات الدين الصادرة عن الاتحاد الأوروبي ككل، باعتبار أن السندات الألمانية توفر تعرضًا مباشرًا لما يعتبره أكثر أصول المنطقة أمانًا.

معادلة جديدة في سوق الديون

ويرى بيتر شافريك، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي العالمي لدى RBC Capital Markets، أن المستثمرين يعيدون تقييم المخاطر المرتبطة بما يعرف بـ«أوروبا الطرفية»، في إشارة إلى الاقتصادات الأوروبية التي تواجه ضغوطًا مالية أو معدلات نمو أضعف.

وقال إن الأسواق بدأت تدرك أن مستويات العوائد الحالية أصبحت مرهقة بالنسبة للاقتصادات الأبطأ نموًا، بينما لا يزال الاقتصاد الألماني يسجل نموًا أفضل نسبيًا.

وهكذا تكشف موجة البيع الحالية في أسواق السندات عن مفارقة لافتة: في الوقت الذي يبحث فيه المستثمرون عن بديل لسندات الخزانة الأميركية، لا تصبح أوروبا بأكملها المستفيد تلقائيًا؛ بل تتركز التدفقات بصورة أكبر في الدول التي تتمتع بقدرة مالية ومصداقية أكبر.

وفي مقدمة هذه الدول تأتي ألمانيا، التي يبدو أن سنداتها تستعيد دورها كأحد أهم ملاذات المستثمرين في أوقات اضطراب أسواق الديون.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى